نظرات معاصرة في القرآن الكريم - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ٣٧ - البُعد العالمي في القرآن

ظنهم ، وقد تقطعت بهم الأسباب بعد ذاك التطاول والشموخ والاستعلاء ، فما أغنى عنهم ما جمعوا من العدة والعدد ، والخول والخدم ، والمال والعقار ، كلها ذهبت هباءً ، وتطايرت في مهب الاحلام ، فلا جمع ولا استكبار ، بل خنوع وخضوع ، وذل وإذلال ، وليت الأمر وقف بهم عند هذا الملحظ بل صكهم الاستفهام التقريري بالاشارة إلى أهل الجنة بما أفاضه أهل الأعراف : ( أَهَٰؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللهُ بِرَحْمَةٍ ) الأعراف / ٤٩. « أي هؤلاء هم الذين كنتم تجزمون قولاً أنهم لا يصيبهم فيما يسلكونه من طريق العبودية خير ، وإصابة الخير هي نيله تعالى إياهم برحمة ، ووقوع النكرة ـ برحمة ـ في حيز النفي يفيد استغراق النفي للجنس ، وقد كانوا ينفون عن المؤمنين كل خير » [١].

ثم تعالى صوت أهل الاعراف لأولئك المستضعفين من المؤمنين ، بتفويض خاص ، وبأمر خاص من الله دون ريب قائلين لهم ( ادْخُلُوا الجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ ) الأعراف / ٤٩. وهو أمر من رجال الأعراف لأصحاب الجنة بدخول الجنة بعد تقرير حالهم عند الكفرة بالاستفهام ، وكان الأمر نهائياً بتخويل نهائي لا يجزأ ولا ينشطر ، ولا يرد ولا يبدل ، لأنه إقترن بإشاءة الله وإرادته ، ولا رادّ لذلك.

إذن من هم رجال الأعراف ، وأصحاب الاعراف في سورة الأعراف ؟

المروي عن الامام الباقر أنه قال : « هم أكرم الخلق على الله تبارك وتعالى » [٢]. وهذا إجمال يفصله الامام الباقر نفسه ويبينه في رواية أخرى وقد سئل ما يعني بقوله تعالى ( وَعَلَى الأَعْرَافِ رِجَالٌ ) ، قال الباقر عليه‌السلام : « ألستم تعرفون عليكم عرفاء على قبائلكم ليعرفوا من فيها من صالح أو طالح ، قلت بلى : فنحن أولئك الرجال الذين يعرفون كلاً بسيماهم » [٣].

وهم لدى المفسرين : إما أن يكونوا رجالاً مخصوصين بالحباء


[١] الطباطبائي ، الميزان : ٨ / ١٣٢.

[٢] المصدر نفسه : ٨ / ١٤٤.

[٣] العياشي ، التفسير : ١ / ٢٨٠.