نظرات معاصرة في القرآن الكريم - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ١٣٢ - مسيرة الكائن الإنساني ورسالة السماء في القرآن العظيم

أيضاً حياة أهل النار في مئاتٍ من الآياتِ البينات ، وفي سورة الواقعة عرضٌ تفصيل للملذّات الحسية والنعيم المادي السرمدي لاصحاب اليمين وهم أهل الجنة [١]. وفيها دليل على تواجد اللذائذ بمختلف أصنافها المعددة هناك وهو ردّ على من قال بأن النعيم روحي فقط ، أو قال بأن البعث روحاني لا جسماني روحاني ، فالنعيم كالبعث روحي مادي بأبرز صوره ، والحياة الروحية هناك تتجلى أيضاً بقوله تعالى : ( يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي (٣٠) ) [٢].

فهذه النفس قد إطمأنت لله تعالى فوصفت بأنها راضية ، وإذا رضي العبد عن ربه عمل له عملاً صالحاً مستقلاً لا شائبة معه ، ولا رياء فيه ، وإذا كان كذلك رضي الله عنه ، وما بعد رضى الله تعالى من درجة ، وحينئذٍ يصدر الأمر الالهي لتلك النفس بالدخول في عباده ، وهي منزلة عليا إذ إستعمال لفظ العبد في القرآن يوحي بأنهم الطبقة العليا الحائزة على مقام العبودية الخالصة ، وعادة ما يستعمل هذا اللفظ صفة وإسماً لمن بلغوا أقصى مراتب الزلفىٰ عند الله ، فلا أمر ولا نهي عندهم إلا أمر الله ونهيه ، فالدخول في هذه الصفوة مقدم على الدخول في الجنة ، فهو مقام روحي كبير فيه من الشرف والرفعة والعزة ما لا يدانيه أي ملحظ آخر في السمو والارتقاء والمنزلة ، إذ الحشر مع محمد وآل محمد والأنبياء والشهداء والصديقين والصالحين ، وهم العباد المنتقون حقاً فيه من القرب لله عز وجل ما فيه من المعاني الروحية البهيجة ، وإذا تم هذا فقد تعيّن الدخول إلى الجنة ، وهذه الجنة مضافة إليه سبحانه وتعالى تشريفاً لها وتعظيماً لشأنها ، إذ لم تضف الجنة لله في القرآن إلا في هذا الموضع.

وكما تضمنت سورة الواقعة تفصيل حياة أهل الجنة ، فقد تضمنت حديث أهل النار ، وهم أصحاب الشمال في لوحة قاتمة فظيعة في مناخها ، وسمومها ، وظلها ، وأكلها ، وشربها ، وصفتهم وخصائصهم بالترف


[١] ظ : الواقعة : ٢٧ ـ ٤٠.

[٢] الفجر : ٢٧ ـ ٣٠.