المستفاد من ذيل تاريخ بغداد - ابن الدمياطي - الصفحة ٧٤
الناس عقله. ثم قوله تحمل شرا كثيرا إن كان أراد ما قلت فهو كذلك وإن أراد أنه فقه كلام كثير وجدل كثير فهذا عليه جميع الفقهاء. وكل فقه لا يكون كذلك فليس بشئ. والخطيب فلكونه لم يكن من الفقهاء ولا عرف الفقه ظن أن يعيب أبا حنيفة بهذا. وروى عن ابن الفضل إلى مزاحم بن زفر قال قلت لأبى حنيفة: يا أبا حنيفة هذا الذى تفنى والذى وضعت في كتابك هو الحق الذى لا شك فيه ؟ فقال: والله ما أدرى لعله الباطل الذى لا شك فيه. فهذا كما ذكر والمجتهد لا يعلم يقينا أنه على الحق ولو علم ذلك يقينا لتنزل منزلة النبي صلى الله عليه وسلم وهذا عليه إجماع الأمة أن المجتهد يخطئ ويصيب وإلى هذا أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب كان له أجران، وإذا اجتهد وأخطأ كان له أجر) فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم بين هذا وإجماع الأمة عليه فمن جعله خطأ وعيبا، أتراه يكون يكون مخطئا للفرع أو للأصل ؟ وقد بينت لك من قبل أنه لم يكن غرض الخطيب إلا التشنيع والطعن على النبي صلى الله عليه وسلم وإنما جعل أبا حنيفة ذريعة إلى ذلك. ولو كان أبو حنيفة قال هو الحق الذى لا شك فيه لكان مخطئا لا محالة فانظر إلى من لا يعرف الصواب من الخطأ ويعيب الأئمة. وروى عن على بن القاسم عن أبى نعيم قال سمعت زفر يقول: كنا نختلف إلى أبى حنيفة ومعنا أبو يوسف ومحمد بن الحسن فكنا نكتب عنه، قال زفر فقال يوما أبو حنيفة لأبى يوسف: ويحك يا يعقوب لا تكتب كل ما تسمعه منى فإنى قد أرى الرأى اليوم فاتركه غدا، وأرى الرأى غدا وأتركه بعد غد. هذا قد تقدم الجواب عنه. وسيأتى في الخبر الذى بعده جواب أيضا. وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (لا تكتبوا عنى شيئا سوى القرآن: من كتب عنى شيئا فليمحه). وروى عن الخلال إلى حماد بن أبى عمر قال قال أبو نعيم سمعت أبا حنيفة يقول لأبى يوسف: لا ترو عنى شيئا فانى والله ما أدرى أمخطئ أنا أم مصيب. هذا لم ينقل عن أبى حنيفة لكل نقل عنه ما هو قريب من هذا، وذلك أنه كان إذا بلغ أحد أصحابه رتبة الاجتهاد قال له: لا يحل لك بعد أن تأخذ عنى. فهذا يدل على دينه ووفور عقله وهذا لم يفعله أحد من العلماء قبل أبى حنيفة ولا بعده، والعلة في هذا أن الجتهد كما بيننا يخطئ ويصيب، والواجب على كل مسلم أن يجتهد فإن قدر على الاجتهاد مثل الفقهاء كان، وإن لم يقدر اجتهد فيمن يأخذ عنه. وهذا عليه إجماع