المستفاد من ذيل تاريخ بغداد - ابن الدمياطي - الصفحة ٦٩
قد سبق الجواب عن هذه الروايات مع أن أبا حنيفة رضى الله عنه كان آدميا ولم يكن جربا فإن أراد بذلك الاستعارة والتشبيه بأفعاله فكان ينبغى أن يبين الفعل الذى صدر منه فشبهه بالجرب حتى نجيب عنه، ومثل هذه الحكايات لا تكاد تصدر عن الأوزاعي لأنه كان فقيها فلو أراد أن يرد عليه أبى حنيفة لرد عليه مفصلا لا مجملا كما يرد الفقهاء وبين الخطأ الذى نسبه إليه والعرى التى حلها حتى يكون الجواب عنه على كل فصل، وأما من أجمل أمرا والناس على خلافة فلا اعتداد بقوله. وقد روى عن الأوزاعي في مدح أبى حنيفة ما يدل على رجوعه عن هذا القول في حقه - إن صح هذا عنه - وهو يأتي فيما بعد. وروى عن ابن الفضل إلى ابن عون أنه قال نبئت أن فيكم صدادين يصدون عن سبيل الله. قال سليمان بن حرب: وأبو حنيفة وأصحابه ممن يصدون عن سبيل الله. وهذا ليس كما ذكر ابن عون فإن أبا حنيفة رضى الله عنه أملى محمدا رحمه الله كتابي السير. وذكر فيهما من أمور الجهاد ووصايا الأمراء وما ينبغى أن يفعله أهل الثغور وقسمة الغنائم ما لم يسبقه إلى جمعه أحد، ولم يجمع مثله بعده أحد. فهذا الذى نعرفه فأما إن عنى بسبيل الله الجهاد وأحواله فكان يلزمه البيان ليكون الجواب بحسبه ثم كان ينبغى له أن يبين من نبأه، فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم كان محمولا على الرأس والعين، وإن كان عن غير النبي صلى الله عليه وسلم عرف بالقائل لنجيب عنه. وإن كان ابن عون نبى من النبوة بزعمه فقد كفر، وإن كان قال هذا القول من عنده وعزاه إلى من لا يعرف، فبهذا القدر يعرف كذبه، وأنه ليس بأهل لهذا القول وكان يلزم سليمان ابن حرب أن يبين من أين عرف أن أبا حنيفة وأصحابه من الصدادين. وروى عن الخلال إلى حماد بن زيد قال ذكر أبو حنيفة عند البتى فقال: ذاك رجل أخطأ عظم دينه كيف يكون حاله ؟. وروى عن إبراهيم بن محمد الى الفربابى قال سمعت سفيان يقول: قيل لسوار لو نظرت في شئ من كلام أبى حنيفة وقضاياه فقال: كيف أنظر في كلام ورجل لم يؤت الرفق في دينه. قد أخذ بمذهب أبى حنيفة من هو خير من البتى وأجمعت الأمة على أن أبا حنيفة أحد فقهاء الأمصار والبتى لم يعرفه إلا آحاد الناس ولم يكن ممن يصلح لهذا القول.