مواهب الرحمن في تفسير القرآن - الموسوي السبزواري، السيد عبد الأعلى - الصفحة ١٨٥
بشأن بعثة خاتم الأنبياء ٦ ، فإنّ الحجّة إذا قامت على أهل الكتاب بشهادة من الله تعالى وشهادة الملائكة ووجب عليهم الإيمان ، فبالأولى تقوم على غيرهم ، وبعد ظهور صدق التسوية فإنّه تصحّ دعوة الناس كافّة الى الرسول والى ما انزل إليه ، ثمّ يوجّه الخطاب الى أهل الكتاب مرّة اخرى ؛ ليكفّوا عن انحرافاتهم ، ويخاطب النصارى منهم بالخصوص لنبذ الغلو في دينهم ويلحقوا بالموحّدين ويؤمنوا بالرسول ٦ وبالرسل جميعا على استقامة ، ويقرّوا بعيسى ٧ بما أقرّوا به في غيره من الأنبياء والرسل : بأنّهم عباد الله ورسله الى خلقه. ويقيم الحجّة على بطلان ما اعتقدوه في عيسى ٧ بأسلوب واضح رصين.
ويختم عزوجل الآيات المباركة بنداء ربوبي رقيق للناس جميعا بالإيمان بالله جلّ شأنه والاعتصام به ، فإنّه عزوجل سيدخلهم في رحمة منه وفضل ، ويهديهم الى ما يسعدهم في الدنيا والآخرة.
ومن الإعجاز القرآني أنّ هذا النداء الربوبي يشتمل على أسلوب رقيق يحبّب الإيمان الى قلوب الناس ، بعد تلك الجولة الطويلة مع المؤمنين والزائغين والكافرين.
وممّا زاد في تأثير هذا النداء أنّه يتضمّن الوعد فقط ، ولم يذكر فيها جزاء الكافرين ؛ لأنّه نداء التحبّب والعطف ، وليس نداء الإنذار والعنف ، ومن حسن الختام أنّه كان في آخر هذه السورة.
وقد نزل في ختام تلك الجولة الطويلة الّتي كانت مع الناس وتناولت العقيدة والإيمان والسلوك والمشاعر ، وقد اشتملت على جميع سبل التربية الإسلاميّة لأهمّ قضية في حياة الإنسان ، وهي قضية الإيمان بالله تعالى وما يترتّب عليها من المقتضيات.
فكانت هذه السورة من أمهات السور القرآنيّة الّتي تناولت العقيدة بجميع جوانبها بأحسن أسلوب وأتمّ وجه ، فاشتملت على جميع التوجيهات الّتي تعدّ الامة المؤمنة لتحمل الأمانة الكبرى.