الرّحلة الحجازيّة - الأمير شكيب أرسلان - الصفحة ٢٨٣ - عودة إلى الطائف وآثار حضارة العرب فيها
قال ٦ «ألا كلّ دين ومال ومأثرة كانت في الجاهلية فهي تحت قدميّ إلا سدانة البيت وسقاية الحاجّ».
وحدّثوا من طريق آخر أنّه ٦ قال في خطبة «الحمد لله الذي صدق وعده ، ونصر جنده ، وهزم الأحزاب وحده ، ألا إنّ كلّ مأثرة في الجاهلية وكلّ دم ودعوى موضوعة تحتّ قدمي ، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج».
وقالوا : إنّ النبي ٦ كان أخذ مفتاح البيت يوم فتح مكة من عثمان بن طلحة بن أبي طلحة ، فنزلت الآية (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها) [النساء : ٥٨] فاستدعى عثمان ، وأعاد إليه المفتاح ، قائلا له : «خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله سبحانه ، لا ينزعها منكم إلا ظالم» وفي رواية أخرى : «خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة لا يظلمكموها إلا كافر» وقيل : «إلا ظالم» ولهذا بقي مفتاح البيت في هذا البيت إلى اليوم.
ليس في مكة أعرق منهم ، لأنّه لم يبق من صدر الإسلام ملازما مكة بسبب سدانة البيت غيرهم ، ولقد رأيت فتاوى كثير من العلماء في وجوب البرّ بهم ، مكافأة على هذه الخدمة المقدسة ، التي اختصوا بها بمحكم الذكر من قديم الدهر.
هذا ولقد ذكر السيد خير الدين الزركلي جبل السّكارى الذي كنا بصدده وقال : إنّهم يسمونه أم السّكارى ، وروى عن قاضي الطائف الذي كان يومئذ (سنة ١٣٣٩) أنّ على هذا الجبل أسطرا تاريخها سنة (١٨٨) قال : فصعدته ، ورأيت كتابات كثيرة ، ولم أر التاريخ الذي ذكره.
قلت : وأنا لم أر كتابة عليها تاريخ ، ولكن يجوز أن تكون على صخر لم يقع نظرنا عليه ، فإنّ هذا الجبل مغطى بالصخور ، وفيه مقطع حجارة لبناء أهل الطائف ، وليس كلّ ما يراه الواحد يراه الآخر.