الرّحلة الحجازيّة - الأمير شكيب أرسلان - الصفحة ٢٧٦ - ينبغي أن يكون اعتناء العرب والمسلمين بقضية السلاح فرضا كفرض الصلاة إذ لا بقاء لهم بدونه
وقد ذكر المستشرق الفرنسي الشهير رينو (Reinaud) صاحب كتاب «غارة العرب على فرنسة» أنّه لما زحف العرب من الأندلس إلى فرنسة ، وافتتحوا أربونة (Narbonne) وقرقشونة (Carcassonne) ووصلوا إلى أفينيون وليون وغيرها تحت قيادة السّمح بن مالك الخولاني ، وعنبسة بن سحيم الكلبي ، والحر الثقفي ، كانت معهم آلات لم تكن عند الإفرنج في ذلك العصر ، ذكر «رينو» ذلك في كلامه على حصار السّمح الخولاني لطلوزة (Toulouse).
فاليوم قد انعكست الأمور ، وصرنا في وسائل الدفاع عيالا على أعدائنا أنفسهم ، فإن طاب لهم أن يتفقوا علينا ، ويمنعوا عنا السلاح بأجمعه ـ أمسينا وليس [لنا] ماندافع به طياراتهم ودباباتهم ومدافعهم وقذائفهم سوى أصابعنا وأظافرنا ، ولقد رأيناهم بالفعل قرّروا منع الأسلحة عن جزيرة العرب في مؤتمر نزع السلاح ، الذي انعقد منذ بضع سنوات في جنيف ، ووقّع هذا القرار بأصوات أكثرية الدول ، بناء على رغبة إنكلترة وفرنسة وإيطالية وتوابعهن ، وغاية ما فعلته الأقلية أنّها استنكفت عن إعطاء الرأي لا سلبا ولا إيجابا ، وهي لو كانت راضية عن سياسة الأكثرية لما تأخّرت عن موافقتها على منع السلاح عن العرب ، فكان اعتناء العرب وجميع العالم الإسلامي بقضية التسلح فرضا عليهم كفرض الصلاة ، إذ لا بقاء لهم بدونه ، وكان هذا متوقّفا على الصناعة ، التي هي من ثمرات العلم الطبيعي ، ولأجل هذا كان انصراف المسلمين إلى اتقان العلوم الطبيعية ، وإدخالها بحذافيرها في برامج تعليمهم من الأمور الحيوية ، التي لا يجوز أن يغفلوا عنها طرفة عين.
وأراني قد بعدت عن الموضوع الذي كنت فيه ، وليست هذه بأول مرة جرّنا الاستطراد إلى ما هو بعيد عن المقام الذي نكون فيه ، ولكنّنا في كلّ مرة لم نخرج إلى شيء غير مرتبط بأصل الموضوع.
* * *