في رحاب أهل البيت: صيانة القرآن الكريم من التحريف - جمعى از نويسندگان - الصفحة ٤٨ - نظرة في أعذار عثمان
هذه خلاصة الأعذار و التأويلات التي تمسّك بها عثمان عن عمله، أو التي انتحلت له، و واضح أنّ تصدي أعلام السنّة لبيان الوجوه و التأويلات التي تصلح لتصحيح عمل الخليفة الثالث يستبطن الإيمان بأنّ القصر هو الوظيفة الطبيعية لصلاة المسافر بحيث أنّ الإتمام يحتاج الى تأويل و تصحيح بوجه شرعي مقبول. و لو كان المسافر مرخصاً بالقصر و الإتمام معاً، و مُخيّراً بينهما فما معنى هذه المحاولات التي تذكر لتوجيه عمل الخليفة الثالث؟
و لا معنى لقول النووي نفسه بأنّ: «الصحيح الذي عليه المحقّقون إنّهما رأيا القصر جائزاً و الإتمام جائزاً، فأخذا بأحد الجائزين و هو الإتمام» فإنّ هذا الكلام الذي وصفه بأنّه كلام المحققين يبقى بلا مستند بعد ما اتّضح أن سيرة الرسول (صلى الله عليه و آله) و الصحابة جرت على القصر في السفر فمن أين بدا لهما جواز الأمرين حتى اختار أحدهما؟
إنّ وظيفة الفقه و الفقهاء هي استنباط الأحكام من الكتاب و السنّة، و حينما تؤدي بنا الشواهد التاريخية الى القطع بأنّ سيرة الرسول (صلى الله عليه و آله) كانت على قصر الصلاة في السفر، و أنّ الصحابة و عامة المسلمين كانوا على ذلك في عهد الخليفتين الأول و الثاني، و أنّ في الصحابة من أنكر على عثمان مخالفته في ذلك. و ردّ عليه كل أعذاره، فهذا يعني أنّ المسألة في بُعدها الفقهي أصبحت منتهية، و حكمها أصبح واضحاً قطعياً، فما معنى أنّ يأتي المحققون حسب تعبير النووي بعد ذلك و يحاولوا توجيه عمل عثمان؟ فهذه مسألة شخصية، و الفقيه شأنه استنباط الحكم الشرعي لا الدفاع عن الأشخاص، وليتهم اكتفوا بهذا الدفاع، فإنّ الدفاع يكون عن أمر شاذ مخالف للُاصول، و غرض المدافعين هو دفع الشذوذ عن ذلك الأمر و ارجاعه بنحو ما الى الاصول التي تبقى هي الأساس في عمل المكلفين و استنباط الفقهاء، إلّا أنّ الشيء الذي حصل غير هذا، و هو أنهم دافعوا عن عمل الخليفة الثالث لا بقصد الدفاع الشخصي فقط، بل بقصد أن يكون عمله هو الأساس الفقهي في مسألة حكم المسافر في الصلاة، ثمّ التمست له متشابهات الوجوه و الأدلّة، كالأدلّة الخمسة التي مرّت مناقشتها، ليكون المجموع مذهباً فقهيّاً في هذه المسألة، و هكذا تحوّل عمل عثمان من مخالفة مشهودة استنكرها الصحابة، الى مذهب فقهي له من يدلّل عليه بوجوه و استدلالات مختلفة كالتي ذكرناها آنفاً، و هذه حالة انحراف واضحة عن عملية الفقه و الاجتهاد و الاستنباط الشرعي.