إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٨ - كتاب ذم الغضب و الحقد و الحسد
>كتاب ذم الغضب و الحقد و الحسد< و هو الكتاب الخامس من ربع المهلكات من كتب إحياء علوم الدين >بسم اللّه الرحمن الرحيم< الحمد للّٰه الذي لا يتكل على عفوه و رحمته إلا الراجون ،و لا يحذر سوء غضبه و سطوته إلا الخائفون .الذي استدرج عباده من حيث لا يعلمون،و سلط عليهم الشهوات و أمرهم بترك ما يشتهون،و ابتلاهم بالغضب و كلفهم كظم الغيظ فيما يغضبون.ثم حفهم بالمكاره و اللذات و أملى لهم لينظر كيف يعملون،و امتحن به حبهم ليعلم صدقهم فيما يدعون،و عرفهم أنه لا يخفى عليه شيء مما يسرون و ما يعلنون،و حذرهم أن يأخذهم بغتة و هم لا يشعرون،فقال مٰا يَنْظُرُونَ إِلاّٰ صَيْحَةً وٰاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ فَلاٰ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لاٰ إِلىٰ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [١].و الصلاة و السلام على محمد رسوله الذي يسير تحت لوائه النبيون، و على آله و أصحابه الأئمة المهديين ،و السادة المرضيين،صلاة يوازى عددها عدد ما كان من خلق اللّه و ما سيكون،و يحظى ببركتها الأولون و الآخرون،و سلم تسليما كثيرا أما بعد.فإن الغضب شعلة نار اقتبست من نار اللّه الموقدة،التي تطلع على الأفئدة، و إنها لمستكنة في طى الفؤاد،استكنان الجمر تحت الرماد.و يستخرجها الكبر الدفين في قلب كل جبار عنيد،كاستخراج الحجر النار من الحديد.و قد انكشف للناظرين بنور اليقين،أن الإنسان ينزع منه عرق إلى الشيطان اللعين،فمن استفزته نار الغضب،فقد قويت فيه قرابة الشيطان،حيث قال خَلَقْتَنِي مِنْ نٰارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ [٢]فإن شأن الطين السكون و الوقار،و شأن النار التلظي و الاستعار،و الحركة و الاضطراب .و من نتائج الغضب الحقد و الحسد،و بهما هلك من هلك،و فسد من فسد.و مفيضهما مضغة إذا صلحت صلح معها سائر الجسد.و إذا كان الحقد و الحسد و الغضب مما يسوق العبد إلى مواطن العطب،
[١] يس:٤٩،٥٠
[٢] الأعراف:١٢