إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٠ - الآفة الحادية عشرة
عَسىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لاٰ نِسٰاءٌ مِنْ نِسٰاءٍ عَسىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ [١]و معنى السخرية الاستهانة و التحقير،و التنبيه على العيوب و النقائص،على وجه يضحك منه.
و قد يكون ذلك بالمحاكاة في الفعل و القول،و قد يكون بالإشارة و الإيماء.و إذا كان بحضرة المستهزأ به،لم يسم ذلك غيبة،و فيه معنى الغيبة.قالت عائشة رضي اللّه عنها،[١]حاكيت إنسانا،فقال لي النبي صلى اللّه عليه و سلم«و اللّه ما أحبّ أنّى حاكيت إنسانا ولى كذا و كذا » و قال ابن عباس في قوله تعالى: يٰا وَيْلَتَنٰا مٰا لِهٰذَا الْكِتٰابِ لاٰ يُغٰادِرُ صَغِيرَةً وَ لاٰ كَبِيرَةً إِلاّٰ أَحْصٰاهٰا [٢]إن الصغيرة التبسم بالاستهزاء بالمؤمن،و الكبيرة القهقهة بذلك .و هذا إشارة إلى أن الضحك على الناس من جملة الذنوب و الكبائر.و عن عبد اللّه بن زمعة[٢]أنه قال،سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و هو يخطب،فوعظهم في ضحكهم من الضرطة فقال«علام يضحك أحدكم ممّا يفعل !»و قال صلى اللّه عليه و سلم[٣]«إنّ المستهزئين بالنّاس يفتح لأحدهم باب من الجنّة فيقال هلمّ هلمّ فيجيء بكر به و غمّه فإذا أتاه أغلق دونه ثمّ يفتح له باب آخر فيقال هلمّ هلمّ فيجيء بكر به و غمّه فإذا أتاه أغلق دونه فما يزال كذلك حتّى إنّ الرّجل ليفتح له الباب فيقال له هلمّ هلمّ فلا يأتيه » و قال معاذ بن جبل؛[٤]قال النبي صلى اللّه عليه و سلم«من عيّر أخاه بذنب قد تاب منه لم يمت حتّى يعمله»و كل هذا يرجع إلى استحقار الغير،و الضحك عليه استهانة به و استصغارا له.و عليه نبه قوله تعالى عَسىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ [٣]أي لا تستحقره استصغارا،فلعله خير منك.و هذا إنما يحرم في حق من يتأذى به .
[١] الحجرات:١١
[٢] الكهف:٤٩
[٣] الحجرات:١١