إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٩
الفلاحون،و الرعاة،و المحترفون.و الثانية الجندية الحماة بالسيوف.و الثالثة المترددون بين الطائفتين في الأخذ و العطاء،و هم العمال،و الجباة،و أمثالهم.فانظر كيف ابتدأ الأمر من حاجة القوت،و الملبس،و المسكن،و إلى ما ذا انتهى.و هكذا أمور الدنيا،لا يفتح منها باب،إلا و ينفتح بسببه أبواب أخر و هكذا تتناهى إلى غير حد محصور،و كأنها هاوية لا نهاية لعمقها،من وقع في مهواة منها سقط منها إلى أخرى،و هكذا على التوالي فهذه هي الحرف و الصناعات إلا أنها لا تتم إلا بالأموال و الآلات،و المال عبارة عن أعيان الأرض و ما عليها مما ينتقع به،و أعلاها الأغذية،ثم الأمكنة التي يأوى الإنسان إليها و هي الدور،ثم الأمكنة التي يسعى فيها للتعيش كالحوانيت،و الأسواق،و المزارع ثم الكسوة،ثم أثاث البيت و آلاته،ثم آلات الآلات و قد يكون في الآلات ما هو حيوان.كالكلب آلة الصيد و البقر آلة الحراثة،و الفرس آلة الركوب في الحرب.ثم يحدث من ذلك حاجة البيع،فإن الفلاح ربما يسكن قرية ليس فيها آلة الفلاحة،و الحداد و النجار يسكنان قرية لا يمكن فيها الزراعة،فبالضرورة يحتاج الفلاح إليهما،و يحتاجان إلى الفلاح.فيحتاج أحدهما أن يبذل ما عنده للآخر،حتى يأخذ منه غرضه،و ذلك بطريق المعاوضة إلا أن النجار مثلا إذا طلب من الفلاح الغذاء بآلته،ربما لا يحتاج الفلاح في ذلك الوقت إلى آلته،فلا يبيعه و الفلاح إذا طلب الآلة من النجار بالطعام،ربما كان عنده طعام في ذلك الوقت،فلا يحتاج إليه.فتتعوق الأغراض.فاضطروا إلى حانوت يجمع آلة كل صناعة،ليترصد بها صاحبها أرباب الحاجات.و إلى أبيات يجمع إليها ما يحمله الفلاحون،فيشتريه منهم صاحب الأبيات ليترصد به أرباب الحاجات.فظهرت لذلك الأسواق و المخازن،فيحمل الفلاح الحبوب، فإذا لم يصادف محتاجا،باعها بثمن رخيص من الباعة،فيخزنونها في انتظار أرباب الحاجات طمعا في الربح.و كذلك في جميع الأمتعة و الأموال،ثم يحدث لا محالة بين البلاد و القرى تردد،فيتردد الناس،يشترون من القرى الأطعمة،و من البلاد الآلات و ينقلون ذلك و يتعيشون به،لتنتظم أمور الناس في البلاد بسببهم،إذ كل بلد ربما لا توجد فيه كل آلة،و كل قرية لا يوجد فيها كل طعام.فالبعض يحتاج إلى البعض،فيحوج إلى النقل فيحدث التجار المتكفلون بالنقل،و باعثهم عليه حرص جمع المال لا محالة،فيتعبون طول