إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٩٣ - فإن قلت فما الذي هو للّٰه؟
ثم قال،أنا و أنت في الموتى كأنه قد كان.ثم صلى على النبي صلى اللّه عليه و سلم، ثم دعا بدعوات خفيات،ثم قال هذه وصيتى إياك يا هرم بن حيبان،كتاب اللّه،و نهج الصالحين المؤمنين،فقد نعيت إلى نفسي و نفسك،عليك بذكر الموت،لا يفارق قلبك طرفة عين ما بقيت و أنذر قومك إذا رجعت إليهم ،و أنصح للأمة جميعا.و إياك أن تفارق الجماعة قيد شبر، فتفارق دينك و أنت لا تعلم،فتدخل النار يوم القيامة .ادع لي و لنفسك.ثم قال،اللهم إن هذا يزعم أنه يحبني فيك،و زارني من أجلك،فعرفني وجهه في الجنة،و أدخله علىّ في دارك دار السلام،و احفظه ما دام في الدنيا حيثما كان،و ضم عليه ضيعته،و أرضه من الدنيا باليسير،و ما أعطيته من الدنيا فيسره له تيسيرا،و اجعله لما أعطيته من نعمائك من الشاكرين،و أجزه عنى خير الجزاء.ثم قال استودعك اللّه يا هرم بن حيبان،و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته،لا أراك بعد اليوم رحمك اللّه تطلبنى،فإنى أكره الشهرة ،و الوحدة أحب إلى،إنى كثير الهم،شديد الغم مع هؤلاء الناس ما دمت حيا،فلا تسأل عنى و لا تطلبنى،و اعلم أنك منى على بال و إن لم أرك و لم ترني فاذكرني،و ادع لي،فإنى سأذكرك و أدعو لك إن شاء اللّه.انطلق أنت هاهنا،حتى أنطلق أنا هاهنا.فحرصت أن أمشى معه ساعة،فأبى على،و فارقته،فبكى و أبكاني،و جعلت أنظر في قفاه،حتى دخل بعض السكك،ثم سألت عنه بعد ذلك،فما وجدت أحدا يخبرني عنه بشيء،رحمه اللّه و غفر له فهكذا كانت سيرة أبناء الآخرة المعرضين عن الدنيا.و قد عرفت مما سبق في بيان الدنيا،و من سيرة الأنبياء و الأولياء،أن حد الدنيا كل ما أظلته الخضراء ،و أقلته الغبراء ، إلا ما كان للّٰه عز و جل من ذلك.و ضد الدنيا الآخرة،و هو كل ما أريد به اللّه تعالى،مما يؤخذ بقدر الضرورة من الدنيا،لأجل قوة طاعة اللّه،و ذلك ليس من الدنيا.و يتبين هذا بمثال.و هو أن الحاج إذا حلف أنه في طريق الحج،لا يشتغل بغير الحج،بل يتجرد له ثم اشتغل بحفظ الزاد،و علف الجمل و خرز الرواية،و كل ما لا بد للحج منه لم يحنث في يمينه و لم يكن مشغولا بغير الحج.فكذلك البدن مركب النفس،تقطع به مسافة العمر،فتعهد البدن بما تبقى به قوته على سلوك الطريق بالعلم و العمل،هو من الآخرة لا من الدنيا.