إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦٥ - الآثار
له أهل قبلك،و سيكون له أهل بعدك و ليس لك من الدنيا،إلا عشاء ليلة و غداء يوم، فلا تهلك في أكله،و صم عن الدنيا،و أفطر على الآخرة و إن رأس مال الدنيا الهوى، و ربحها النار.و قيل لبعض الرهبان،كيف ترى الدهر؟قال يخلق الأبدان،و يجدد الآمال و يقرب المنية،و يبعد الأمنية قيل فما حال أهله؟قال من ظفر به تعب،و من فاته نصب و في ذلك قيل
و من يحمد الدنيا لعيش يسره فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة و إن أقبلت كانت كثيرا همومها
و قال بعض الحكماء:كانت الدنيا و لم أكن فيها،و تذهب الدنيا و لا أكون فيها، فلا أسكن إليها،فإن عيشها نكد،و صفوها كدر،و أهلها منها على وجل،إما بنعمة زائلة أو بلية نازلة،أو منية قاضية.و قال بعضهم:من عيب الدنيا أنها لا تعطى أحدا ما يستحق لكنها إما أن تزيد و إما أن تنقص .و قال سفيان.أما ترى النعم كأنها مغضوب عليها، قد وضعت في غير أهلها.و قال أبو سليمان الداراني:من طلب الدنيا على المحبة لها،لم يعط منها شيئا إلاّ أراد أكثر.و من طلب الآخرة على المحبة لها،لم يعط منها شيئا إلا أراد أكثر.و ليس لهذا غاية.و قال رجل لأبي حازم،أشكو إليك حب الدنيا،و ليست لي بدار.فقال انظر ما آتاكه اللّه عز و جل منها،فلا تأخذه إلا من حله،و لا تضعه إلا في حقه،و لا يضرك حب الدنيا.و إنما قال هذا،لأنه لو آخذ نفسه بذلك لأتعبه،حتى يتبرم بالدنيا،و يطلب الخروج منها.و قال يحيى بن معاذ:الدنيا حاوت الشيطان،فلا تسرق من حانوته شيئا،فيجيء في طلبه فيأخذك.و قال الفضيل.لو كانت الدنيا من ذهب يفنى و الآخرة من خزف يبقى،لكان ينبغي لنا أن نختار خزفا يبقى،على ذهب يفنى.فكيف و قد اخترنا خزفا يفنى،على ذهب يبقى!و قال أبو حازم،إياكم و الدنيا،فإنه بلغني أنه يوقف العبد يوم القيامة،إذا كان معظما للدنيا،فيقال هذا عظم ما حقره اللّه.و قال ابن مسعود،ما أصبح أحد من الناس إلا و هو ضيف،و ما له عارية فالضيف مرتحل،و العارية مردودة ،و في ذلك قيل:
و ما المال و الأهلون إلا ودائع
و لا بد يوما أن ترد الودائع
و زار رابعة أصحابها ،فذكروا الدنيا،فأقبلوا على ذمها،فقالت اسكتوا عن ذكرها، فلو لا موقعها من قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها،ألا من أحب شيئا أكثر من ذكره.