إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٣ - اعلم أنه لا حسد إلا على نعمة
فأما الأول:فهو حرام بكل حال ،إلاّ نعمة أصابها فاجر أو كافر،و هو يستعين بها على تهييج الفتنة،و إفساد ذات البين،و إيذاء الخلق،فلا يضرك كراهتك لها،و محبتك لزوالها فإنك لا تحب زوالها من حيث هي نعمة،بل من حيث هي آلة الفساد.و لو أمنت فساده،لم يغمك بنعمته.و يدل على تحريم الحسد الأخبار التي نقلناها،و أن هذه الكراهة تسخط لقضاء اللّه في تفضيل بعض عباده على بعض،و ذلك لا عذر فيه و لا رخصة،و أي معصية تزيد على كراهتك لراحة مسلم،من غير أن يكون لك منه مضرة،و إلى هذا أشار القرءان بقوله إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَ إِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهٰا [١]و هذا الفرح شماتة ،و الحسد و الشماتة يتلازمان.
و قال تعالى وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتٰابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمٰانِكُمْ كُفّٰاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ [٢]فأخبر تعالى أن حبهم زوال نعمة الإيمان حسد.و قال عز و جل وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمٰا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوٰاءً [٣]و ذكر اللّه تعالى حسد إخوة يوسف عليه السلام،و عبر عما في قلوبهم بقوله تعالى إِذْ قٰالُوا لَيُوسُفُ وَ أَخُوهُ أَحَبُّ إِلىٰ أَبِينٰا مِنّٰا وَ نَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبٰانٰا لَفِي ضَلاٰلٍ مُبِينٍ اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ [٤]فلما كرهوا حب أبيهم له،و ساءهم ذلك و أحبوا زواله عنه، فغيبوه عنه.و قال تعالى وَ لاٰ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حٰاجَةً مِمّٰا أُوتُوا [٥]أي لا تضيق صدورهم به و لا يغتمون.فأثنى عليهم بعدم الحسد و قال تعالى في معرض الإنكار أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ [٦]و قال تعالى كٰانَ النّٰاسُ أُمَّةً وٰاحِدَةً [٧]إلى قوله إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَتْهُمُ الْبَيِّنٰاتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [٨]قيل في التفسير حسدا،و قال تعالى وَ مٰا تَفَرَّقُوا إِلاّٰ مِنْ بَعْدِ مٰا جٰاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ [٩]فأنزل اللّه العلم ليجمعهم،و يؤلف بينهم على طاعته،و أمرهم
[١] آل عمران:١٢٠
[٢] البقرة:١٠٩
[٣] النساء:٨٩
[٤] يوسف:٨
[٥] الحشر:٩
[٦] النساء:٤٥
[٧] البقرة:٢١٣
[٨] البقرة:٢١٣
[٩] الشورى:١٤