عمدة عيون صحاح الأخبار في مناقب إمام الأبرار - الحافظ ابن البطريق - الصفحة ٣٣٩ - حديث حريق الكعبة وفيه سبعة أحاديث
فذكرها لاقتضاء الحال لها وابان بذكرها عدة المنافقين انهم كانوا ممن لم يقبل ما عهده النبي صلى الله عليه وآله في على عليه السلام بل اظهر الرضا وابطن خلافه ، وهذا مأخوذ من نفق اليربوع [١] ، لان له بابين : يدخل في واحد وإذا طلب فيه ، خرج من الاخر ، وكذلك المنافق يظهر خلاف ما يبطنه. يدل على صحة هذا التأويل ما قدمناه من الصحاح من قول جابر بن عبد الله الانصاري (رض) : ما كنا لنعرف المنافقين الا ببغضهم اياه [٢] وبقول النبي صلى الله عليه وآله له : ما احبك الا مؤمن تقى ولا ابغضك الا منافق شقى.
وقد تقدم ذكر ذلك من الصحاح من غير طريق ، فدل على حسن الكناية في الخبر من الطريقين [٣] : احدهما التنبيه على ولائه والاخر التعريف بان مبغضه منافق ، وهذا من احسن الكنايات ، ومثله في حسن التعريض والكناية ما ذكره أبو محمد : عبد الله بن مسلم بن قتيبة في كتاب «غريب الحديث» في الجزء الاول قريبا من آخره ، قال ابن قتيبة في حديث النبي صلى الله عليه وآله : ان اباذر أتى فلانا فتعاتبا فقال أبو ذر : اما أنا فاشهدان النبي صلى الله عليه وآله قال : انى أو اياك أو احدنا فرعون هذه الامة ، فقال الرجل : اما انا فلا ، قال ابن قتيبة : قوله : انى أو اياك أو احدنا يريد : انك انت فرعون هذه الامة ولكنه القى إليه تعريضا ، فكان احسن من التصريح به.
ومثله في كتاب الله تعالى : (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) [٤] وهذا كما يقول القائل : احدنا كاذب وهو يعلم انه الصادق وصاحبه الكاذب ونحو هذا من التعريض في قتل عثمان قول على عليه السلام في خطبة له : انكم قد اكثرتم في قتل عثمان ، الا وان الله قتله وانا معه ، فاوهم قوما كانوا معه انه ممن اعان عليه واراد ان الله قتله ، وسيقتلني معه وقال : قال ابن سيرين : هذه
[١] النفقة والنافقاء : حجر الضب واليربوع ـ لسان العرب.
[٢] فضائل الصحابة لاحمد بن حنبل ج ٢ ص ٦٣٩ ح ١٠٨٦ ولقد مضى في الفصل السادس والعشرين.
[٣] وفى نسخة : من الطرفين.
[٤] سبأ : ٢٤.