الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٥٠٨ - احتجاجه قدس الله روحه في التعظيم و التقديم لأئمتنا ع على سائر الورى ما عدا نبينا ع بطريقة لم يسبقه إليها أحد ذكرها في رسالته الموسومة بالرسالة الباهرة في فضل العترة الطاهرة
المنحازين عن هذه الجملة على أن يراوحوا هذه المشاهد و يغادوها- و يستنزلوا عندها من الله تعالى الأرزاق و يستفتحوا بها الأغلاق و يطلبوا ببركتها الحاجات و يستدفعوا البليات و الأحوال الظاهرة كلها لا توجب ذلك و لا تقتضيه و لا تستدعيه و إلا فعلوا ذلك فيمن يعتقدونهم أو أكثرهم إمامته و فرض طاعته و إنه في الديانة موافق لهم غير مخالف و مساعد غير معاند و من المحال أن يكونوا فعلوا ذلك لداع من دواعي الدنيا فإن الدنيا عند غير هذه الطائفة موجودة و عندها هي مفقودة و لا لتقية و استصلاح فإن التقية هي فيهم لا منهم- و لا خوف من جهتهم و لا سلطان لهم و كل خوف إنما هو عليهم فلم يبق إلا داعي الدين و ذلك هو الأمر الغريب العجيب الذي لا تنفذ في مثله إلا مشية الله و قدرة القهار التي تذلل الصعاب و تقود بأزمتها الرقاب.
و ليس لمن جهل هذه المزية أو تجاهلها أو تعامى عنها و هو يبصرها أن يقول إن العلة في تعظيم غير فرق الشيعة لهؤلاء القوم ليست ما عظمتموه و فخمتموه و ادعيتم خرقه للعادة و خروجه عن الطبيعة بل هي لأن هؤلاء القوم عن عترة النبي ص و كل من عظم النبي ص فلا بد أن يكون لعترته و أهل بيته معظما و مكرما و إذا انضاف إلى القرابة الزهد و هجر الدنيا و العفة و العلم زاد الإجلال و الإكرام لزيادة أسبابها.
و الجواب عن الشبهة الضعيفة أن قد شارك أئمتنا ع في نسبهم و حسبهم و قرابتهم- من النبي ص غيرهم و كانت لكثير منهم عبادات ظاهرة و زهادة في الدنيا بادية و سمات جميلة و صفات حسنة من ولد أبيهم عليه و آله السلام و من ولد عمهم العباس رضوان الله عليهم فما رأينا من الإجماع على تعظيمهم و زيارة مدافنهم و الاستشفاع بهم في الأغراض و الاستدفاع بمكانهم للأغراض و الأمراض ما وجدنا مشاهدا معاينا في هذا الاشتراك و إلا فمن الذي أجمع على فرط إعظامه و إجلاله من سائر صنوف العترة يجري في هذا الحال مجرى الباقر و الصادق و الكاظم و الرضا صلوات الله عليهم أجمعين لأن من عدا من ذكرنا من صلحاء العترة و زهادها ممن يعظمه فريق من الأمة و يعرض عنه فريق و من عظم منهم و قدمه لا ينتهي في الإجلال و الإعظام إلى الغاية التي ينتهي إليها فيمن ذكرناه و لو لا أن تفصيل هذه الجملة ملحوظ معلوم لفصلناها على طول ذلك و لسمينا من كنينا عنه و نظرنا بين كل معظم مقدم من العترة ليعلم أن الذي ذكرناه هو الحق الواضح و ما عداه هو الباطل الماضح[١].
و بعد فمعلوم ضرورة أن الباقر و الصادق و من وليهما من أئمة أبنائهما ع كانوا في الديانة و الاعتقاد و ما يفتون به من حلال و حرام على خلاف ما يذهب إليه مخالفو الإمامية و إن ظهر شك في ذلك كله فلا شك و لا شبهة على منصف في أنهم لم يكونوا على مذاهب الفرق المختلفة المجمعة على تعظيمهم و التقرب إلى الله تعالى بهم و كيف يعترض ريب فيما ذكرناه و معلوم ضرورة أن شيوخ الإمامية و سلفهم في ذلك الأزمان كانوا بطانة للباقر و للصادق صلوات الله عليهما و من وليهما أجمعين عليهم السلام و ملازمين لهم متمسكين بهم و مظهرين أن كل شيء يعتقدونه و ينتحلونه و يصححونه أو يبطلونه
[١] الماضح: المشين المعيب.