الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٤٥١ - احتجاج أبي الحسن علي بن محمد العسكري ع في شي ء من التوحيد و غير ذلك من العلوم الدينية و الدنياوية على المخالف و المؤالف
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ تُخَلِّفُنِي عَلَى النِّسَاءِ وَ الصِّبْيَانِ؟ فَقَالَ أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي[١] فَعَلِمْنَا أَنَّ الْكِتَابَ شَهِدَ بِتَصْدِيقِ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَ تَحْقِيقِ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ فَلَزِمَ الْأُمَّةَ الْإِقْرَارُ بِهَا إِذَا كَانَتْ هَذِهِ الْأَخْبَارُ وَافَقَتِ الْقُرْآنَ وَ وَافَقَ الْقُرْآنُ هَذِهِ الْأَخْبَارَ- فَلَمَّا وَجَدْنَا ذَلِكَ مُوَافِقاً لِكِتَابِ اللَّهِ وَ وَجَدْنَا كِتَابَ اللَّهِ لِهَذِهِ الْأَخْبَارِ مُوَافِقاً وَ عَلَيْهَا دَلِيلًا كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِهَذِهِ الْأَخْبَارِ فَرْضاً لَا يَتَعَدَّاهُ إِلَّا أَهْلُ الْعِنَادِ وَ الْفَسَادِ ثُمَّ قَالَ ع وَ مُرَادُنَا وَ قَصْدُنَا الْكَلَامُ فِي الْجَبْرِ وَ التَّفْوِيضِ وَ شَرْحِهِمَا وَ بَيَانِهِمَا وَ إِنَّمَا قَدَّمْنَا مَا قَدَّمْنَا لِيَكُونَ اتِّفَاقُ الْكِتَابِ وَ الْخَبَرِ إِذَا اتَّفَقَا دَلِيلًا لِمَا أَرَدْنَاهُ وَ قُوَّةً لِمَا نَحْنُ مُبَيِّنُوهُ مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَقَالَ الْجَبْرُ وَ التَّفْوِيضُ يَقُولُ الصَّادِقُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ع عِنْدَ مَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا جَبْرَ وَ لَا تَفْوِيضَ بَلْ أَمْرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ قِيلَ فَمَا ذَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ صِحَّةُ الْعَقْلِ وَ تَخْلِيَةُ السَّرْبِ وَ الْمُهْلَةُ فِي الْوَقْتِ وَ الزَّادُ قَبْلَ الرَّاحِلَةِ وَ السَّبَبُ الْمُهَيِّجُ لِلْفَاعِلِ عَلَى فِعْلِهِ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ فَإِذَا نَقَصَ الْعَبْدُ مِنْهَا خَلَّةً كَانَ الْعَمَلُ عَنْهُ مُطْرَحاً بِحَسَبِهِ وَ أَنَا أَضْرِبُ لِكُلِّ بَابٍ مِنْ هَذِهِ الْأَبْوَابِ الثَّلَاثَةِ وَ هِيَ الْجَبْرُ وَ التَّفْوِيضُ وَ الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ مَثَلًا يُقَرِّبُ الْمَعْنَى لِلطَّالِبِ وَ يُسَهِّلُ لَهُ الْبَحْثَ مِنْ شَرْحِهِ وَ يَشْهَدُ بِهِ الْقُرْآنُ بِمُحْكَمِ آيَاتِهِ وَ يُحَقِّقُ تَصْدِيقَهُ عِنْدَ ذَوِي الْأَلْبَابِ وَ بِاللَّهِ الْعِصْمَةُ وَ التَّوْفِيقُ ثُمَّ قَالَ ع فَأَمَّا الْجَبْرُ فَهُوَ قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَبَرَ الْعِبَادَ عَلَى الْمَعَاصِي وَ عَاقَبَهُمْ عَلَيْهَا وَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ فَقَدْ ظَلَّمَ اللَّهَ وَ كَذَّبَهُ وَ رَدَّ عَلَيْهِ قَوْلَهُ وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً[٢] وَ قَوْلَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ[٣] مَعَ آيٍ كَثِيرَةٍ فِي مِثْلِ هَذَا فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ مَجْبُورٌ عَلَى الْمَعَاصِي فَقَدْ أَحَالَ بِذَنْبِهِ عَلَى اللَّهِ وَ ظَلَمَهُ فِي عَظَمَتِهِ لَهُ وَ مَنْ ظَلَمَ رَبَّهُ فَقَدْ كَذَّبَ كِتَابَهُ وَ مَنْ كَذَّبَ كِتَابَهُ لَزِمَهُ الْكُفْرُ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ فَالْمَثَلُ الْمَضْرُوبُ فِي ذَلِكَ مَثَلُ رَجُلٍ مَلَكَ عَبْداً مَمْلُوكاً لَا يَمْلِكُ إِلَّا نَفْسَهُ وَ لَا يَمْلِكُ عَرَضاً مِنْ عُرُوضِ الدُّنْيَا وَ يَعْلَمُ مَوْلَاهُ ذَلِكَ مِنْهُ فَأَمَرَهُ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُ بِالْمَصِيرِ إِلَى السُّوقِ لِحَاجَةٍ يَأْتِيهِ بِهَا وَ لَمْ يُمَلِّكْهُ ثَمَنَ مَا يَأْتِيهِ بِهِ وَ عَلِمَ الْمَالِكُ أَنَّ عَلَى الْحَاجَةِ رَقِيباً لَا يَطْمَعُ أَحَدٌ فِي أَخْذِهَا مِنْهُ إِلَّا بِمَا يَرْضَى بِهِ مِنَ الثَّمَنِ وَ قَدْ وَصَفَ بِهِ مَالِكُ هَذَا الْعَبْدِ نَفْسَهُ بِالْعَدْلِ وَ النَّصَفَةِ وَ إِظْهَارِ الْحِكْمَةِ وَ نَفْيِ الْجَوْرِ فَأَوْعَدَ عَبْدَهُ إِنْ لَمْ يَأْتِهِ بِالْحَاجَةِ يُعَاقِبْهُ فَلَمَّا صَارَ الْعَبْدُ إِلَى السُّوقِ وَ حَاوَلَ أَخْذَ الْحَاجَةِ الَّتِي بَعَثَهُ بِهَا وَجَدَ عَلَيْهَا مَانِعاً يَمْنَعُهُ مِنْهَا إِلَّا بِالثَّمَنِ وَ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ ثَمَنَهَا فَانْصَرَفَ إِلَى مَوْلَاهُ خَائِباً بِغَيْرِ قَضَاءِ حَاجَةٍ فَاغْتَاظَ مَوْلَاهُ لِذَلِكَ وَ عَاقَبَهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ كَانَ ظَالِماً مُتَعَدِّياً مُبْطِلًا لِمَا وَصَفَ مِنْ عَدْلِهِ وَ حِكْمَتِهِ وَ نَصَفَتِهِ وَ إِنْ لَمْ يُعَاقِبْهُ كَذَّبَ نَفْسَهُ أَ لَيْسَ يَجِبُ أَنْ لَا يُعَاقِبَهُ وَ الْكَذِبُ وَ الظُّلْمُ يَنْفِيَانِ الْعَدْلَ وَ الْحِكْمَةَ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الْمُجَبِّرَةُ عُلُوّاً كَبِيراً-
[١] راجع هامش الجزء الأول من هذا الكتاب.
[٢] الكهف- ٥٠.
[٣] الحجّ- ١٠.