الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٣٣٩ - احتجاج أبي عبد الله الصادق ع في أنواع شتى من العلوم الدينية على أصناف كثيرة من أهل الملل و الديانات
إِبْلِيسُ فَعَبْدٌ خَلَقَهُ لِيَعْبُدَهُ وَ يُوَحِّدَهُ وَ قَدْ عَلِمَ حِينَ خَلَقَهُ مَا هُوَ وَ إِلَى مَا يَصِيرُ إِلَيْهِ فَلَمْ يَزَلْ يَعْبُدُهُ مَعَ مَلَائِكَتِهِ حَتَّى امْتَحَنَهُ بِسُجُودِ آدَمَ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ حَسَداً وَ شَقَاوَةً غَلَبَتْ عَلَيْهِ فَلَعَنَهُ عِنْدَ ذَلِكَ وَ أَخْرَجَهُ عَنْ صُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَ أَنْزَلَهُ إِلَى الْأَرْضِ مَلْعُوناً مَدْحُوراً فَصَارَ عَدُوَّ آدَمَ وَ وُلْدِهِ بِذَلِكَ السَّبَبِ مَا لَهُ مِنَ السُّلْطَةِ عَلَى وُلْدِهِ إِلَّا الْوَسْوَسَةُ وَ الدُّعَاءُ إِلَى غَيْرِ السَّبِيلِ وَ قَدْ أَقَرَّ مَعَ مَعْصِيَتِهِ لِرَبِّهِ بِرُبُوبِيَّتِهِ قَالَ أَ فَيَصْلُحُ السُّجُودُ لِغَيْرِ اللَّهِ قَالَ لَا قَالَ فَكَيْفَ أَمَرَ اللَّهُ الْمَلَائِكَةَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ قَالَ إِنَّ مَنْ سَجَدَ بِأَمْرِ اللَّهِ سَجَدَ لِلَّهِ إِذَا كَانَ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ قَالَ فَمِنْ أَيْنَ أَصْلُ الْكِهَانَةِ وَ مِنْ أَيْنَ يُخْبَرُ النَّاسُ بِمَا يَحْدُثُ قَالَ إِنَّ الْكِهَانَةَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فِي كُلِّ حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ كَانَ الْكَاهِنُ بِمَنْزِلَةِ الْحَاكِمِ يَحْتَكِمُونَ إِلَيْهِ فِيمَا يَشْتَبِهُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأُمُورِ بَيْنَهُمْ فَيُخْبِرُهُمْ عَنْ أَشْيَاءَ تَحْدُثُ وَ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى فِرَاسَةِ الْعَيْنِ وَ ذَكَاءِ الْقَلْبِ وَ وَسْوَسَةِ النَّفْسِ وَ فِتْنَةِ الرُّوحِ مَعَ قَذْفٍ فِي قَلْبِهِ لِأَنَّ مَا يَحْدُثُ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْحَوَادِثِ الظَّاهِرَةِ فَذَلِكَ يَعْلَمُ الشَّيْطَانُ وَ يُؤَدِّيهِ إِلَى الْكَاهِنِ وَ يُخْبِرُهُ بِمَا يَحْدُثُ فِي الْمَنَازِلِ وَ الْأَطْرَافِ وَ أَمَّا أَخْبَارُ السَّمَاءِ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ تَقْعُدُ مَقَاعِدَ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ إِذْ ذَاكَ وَ هِيَ لَا تَحْجُبُ وَ لَا تُرْجَمُ بِالنُّجُومِ وَ إِنَّمَا مُنِعَتْ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْأَرْضِ سَبَبٌ تُشَاكِلُ الْوَحْيَ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ فَيَلْبَسُ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَا جَاءَهُمْ عَنِ اللَّهِ لِإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ وَ نَفْيِ الشُّبْهَةِ وَ كَانَ الشَّيْطَانُ يَسْتَرِقُ الْكَلِمَةَ الْوَاحِدَةَ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ بِمَا يَحْدُثُ مِنَ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فَيَخْتَطِفُهَا ثُمَّ يَهْبِطُ بِهَا إِلَى الْأَرْضِ فَيَقْذِفُهَا إِلَى الْكَاهِنِ فَإِذَا قَدْ زَادَ كَلِمَاتٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيَخْلِطُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ فَمَا أَصَابَ الْكَاهِنُ مِنْ خَبَرٍ مِمَّا كَانَ يُخْبِرُ بِهِ فَهُوَ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ لِمَا سَمِعَهُ وَ مَا أَخْطَأَ فِيهِ فَهُوَ مِنْ بَاطِلِ مَا زَادَ فِيهِ فَمُنْذُ مُنِعَتِ الشَّيَاطِينُ عَنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ انْقَطَعَتِ الْكِهَانَةُ وَ الْيَوْمَ إِنَّمَا تُؤَدِّي الشَّيَاطِينُ إِلَى كُهَّانِهَا أَخْبَاراً لِلنَّاسِ بِمَا يَتَحَدَّثُونَ بِهِ وَ مَا يُحَدِّثُونَهُ وَ الشَّيَاطِينُ تُؤَدِّي إِلَى الشَّيَاطِينِ مَا يَحْدُثُ فِي الْبُعْدِ مِنَ الْحَوَادِثِ مِنْ سَارِقٍ سَرَقَ وَ مِنْ قَاتِلٍ قَتَلَ وَ مِنْ غَائِبٍ غَابَ وَ هُمْ بِمَنْزِلَةِ النَّاسِ أَيْضاً صَدُوقٌ وَ كَذُوبٌ قَالَ وَ كَيْفَ صَعِدَتِ الشَّيَاطِينُ إِلَى السَّمَاءِ وَ هُمْ أَمْثَالُ النَّاسِ فِي الْخِلْقَةِ وَ الْكَثَافَةِ وَ قَدْ كَانُوا يَبْنُونَ لِسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ ع مِنَ الْبِنَاءِ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ وُلْدُ آدَمَ قَالَ غُلِّظُوا لِسُلَيْمَانَ كَمَا سُخِّرُوا وَ هُمْ خَلْقٌ رَقِيقٌ غِذَاؤُهُمُ النَّسِيمُ وَ الدَّلِيلُ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ صُعُودُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ لِاسْتِرَاقِ السَّمْعِ وَ لَا يَقْدِرُ الْجِسْمُ الْكَثِيفُ عَلَى الِارْتِقَاءِ إِلَيْهَا بِسُلَّمٍ أَوْ بِسَبَبٍ قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ السِّحْرِ مَا أَصْلُهُ وَ كَيْفَ يَقْدِرُ السَّاحِرُ عَلَى مَا يُوصَفُ مِنْ عَجَائِبِهِ وَ مَا يَفْعَلُ قَالَ إِنَّ السِّحْرَ عَلَى وُجُوهٍ شَتَّى وَجْهٌ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ الطِّبِّ كَمَا أَنَّ الْأَطِبَّاءَ وَضَعُوا لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَكَذَلِكَ عِلْمُ السِّحْرِ احْتَالُوا لِكُلِّ صِحَّةٍ آفَةً وَ لِكُلِّ عَافِيَةٍ عَاهَةً وَ لِكُلِّ مَعْنًى حِيلَةً-