زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٣٨٦ - الآية ١٨ ـ ٢١
على ثمد [١] قليل الماء ، إنّما يتبرّضه [٢] الناس تبرّضا ، فشكوا إليه العطش ، فانتزع سهما من كنانته فركزه [٣] فيه ، فو الله ما زال يجيش [٤] لهم بالريّ حتّى صدورا عنه.
وبعث قريش حويطب بن عبد العزّى ، وبديل بن ورقاء الخزاعي ، وعروة بن مسعود الثقفي ، مع جماعة ، وابتدر عروة وجعل يكلّم النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وكلّما كلّمه أخذ بلحيته ، والمغيرة بن شعبة قائم على رأس النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ومعه السيف وعليه المغفرة [٥] ، فكلّما أهوى عروة بيده إلى لحية رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ضرب يده بنعل [٦] السيف وقال : أخّر يدك عن لحية رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قبل أن لا ترجع إليك. فقال : من هذا؟ قال : المغيرة بن شعبة.
فخيّرهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بين المصالحة إلى مدّة معيّنة ، ورجوعه عن مكّة إلى أن تنقضي المدّة ، وبين أن يدعوه وأصحابه أن يدخلوا مكّة ويطوفوا ويحلّوا ويرجعوا. ثمّ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم : والّذي نفسي بيده لأقاتلنّهم على أمري هذا حتّى تنفرد سالفتي [٧] أو لينفذنّ الله عزوجل أمره.
فجعل عروة يرمق صحابة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم : إذا أمرهم رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ابتدروا أمره ، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه ، وإذا تكلّم خفضوا أصواتهم عنده ، وما يحدّون إليه النظر تعظيما له.
فرجع إلى قريش ، فقال لهم : والله لقد وفدت على الملوك ، وفدت على قيصر
[١] الثمد : الحفرة يجتمع فيها ماء المطر.
[٢] تبرّض الماء : ترشّفه ، أي : مصّه بشفتيه.
[٣] ركز الرمح ونحوه : غرزه في الأرض وأثبته.
[٤] أي : يفيض. والريّ والريّ : أن يشرب الماء حتّى يشبع.
[٥] المغفرة : زرد ـ أي : درع ـ يلبسه المحارب تحت القلنسوة.
[٦] نعل السيف : ما يكون في أسفل غمده من حديد أو فضّة.
[٧] السالفة : صفحة العنق. أراد صلىاللهعليهوآلهوسلم : حتّى يفرّق بين رأسي وجسدي.