زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٣٣٠ - الآية ١٥ ـ ٢٠
أكلة العبد ، ويجلس جلسة العبد. وإن كان ليشتري القميصين فيخيّر غلامه خيرهما ، ثمّ يلبس الآخر ، فإذا جاز أصابعه قطعه ، وإذا جاز كعبه حذفه. ولقد ولي خمس سنين ما وضع آجرّة على آجرّة ، ولا لبنة على لبنة ، ولا أورث بيضاء ولا حمراء. وكان يطعم الناس خبز البرّ واللحم ، وينصرف إلى منزله فيأكل خبز الشعير والزيت والخلّ. وما ورد عليه أمران كلاهما لله عزوجل فيه رضا ، إلّا أخذ بأشدّهما على بدنه. ولقد أعتق ألف مملوك من كدّ يمينه ، تربت منه يداه ، وعرق فيه وجهه. وما أطاق عمله أحد من الناس بعده.
ثمّ إنّه قد اشتهر في الرواية أنّه عليهالسلام لمّا دخل على العلاء بن زياد بالبصرة يعوده قال له العلاء : يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد ، لبس العباءة وتخلّى من الدنيا.
فقال عليهالسلام : عليّ به. فلمّا جاء به قال : يا عديّ [١] نفسه لقد استهام بك الخبيث ، أما رحمت أهلك وولدك. أَترى الله أحلّ لك الطيّبات وهو يكره أن تأخذها؟! أنت أهون على الله من ذلك.
قال : يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك ، وجشوبة [٢] مأكلك! قال : ويحك! إنّي لست كأنت ، إنّ الله تعالى فرض على أئمّة الحقّ أن يقدّروا أنفسهم بضعفة الناس ، كيلا يتبيّغ [٣] بالفقير فقره.
روي : أنّ النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم دخل على أهل الصفّة [٤] وهم يرقّعون ثيابهم
[١] أي : مبغض نفسه. من : عدي لفلان : أبغضه. فهو على زنة : وفيّ. واستهام بك الخبيث أي : وسوس فيك الشيطان ، فذهب فؤادك ، وسلب عقلك. من : استهيم فؤاده أي : ذهب فؤاده وسلب عقله من الحبّ أو غيره.
[٢] جشب الطعام : غلظ. فهو جشب.
[٣] أي : يهيج ويثور. من : باغ الدم أي : هاج وثار.
[٤] أهل الصفّة : فقراء كانوا يجلسون في صفّة مسجد النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم. وصفّة المسجد : مقعد بالقرب منه مظلّل.