زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٤٢٦ - الآية ١١ ـ ١٢
ذكرهنّ ، لأنّهنّ توابع. وهو في الأصل جمع قائم ، كصوم وزور في جمع صائم وزائر. أو مصدر نعت به ، فشاع في الجمع. واختيار الجمع لأنّ السخريّة تغلب في المجامع.
ثمّ استأنف بالعلّة الموجبة للنهي ، فقال : (عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ) ترك خبر «عسى» لإغناء الاسم عنه. وهذا كلام مستأنف قد ورد مورد جواب المستخبر عن العلّة الموجبة لما جاء النهي عنه ، وإلّا فقد كان حقّه أن يوصل بما قبله بالفاء.
والمعنى : وجوب أن يعتقد كلّ أحد أنّ المسخور منه ربّما يكون عند الله خيرا من الساخر ، لأنّ الناس لا يطّلعون إلّا على ظواهر الأحوال ، ولا علم لهم بالخفيّات. وإنّما الّذي يزن عند الله خلوص الضمائر وتقوى القلوب ، وعلمهم من ذلك بمعزل. فينبغي أن لا يجترئ أحد على الاستهزاء بمن تزدريه عينه ، إذا رآه رثّ [١] الحال ، أو ذا عاهة في بدنه ، أو غير لبيق [٢] في محادثته ، فلعلّه أخلص ضميرا وأتقى قلبا ممّن هو على ضدّ صفته. فيظلم نفسه بتحقير من وقّره الله ، والاستهانة بمن عظّمه الله.
وقيل : نزلت هذه الآية في بني تميم استهزؤا ببلال وخباب وعمّار وصهيب وأبي ذرّ وسالم مولى حذيفة.
وعن ابن عبّاس : نزلت في ثابت بن قيس بن شماس ، فإنّه كان في أذنيه وقر [٣] ، وكان إذا دخل تفسّحوا له حتّى يقعد عند النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فيسمع ما يقول.
فدخل المسجد يوما والناس قد فرغوا من الصلاة وأخذوا مكانهم ، فجعل يتخطّى رقاب الناس ويقول : تفسّحوا تفسّحوا ، حتّى انتهى إلى رجل فقال له : أصبت مجلسا فاجلس ، فجلس خلفه مغضبا. فلمّا انجلت الظلمة قال : من هذا؟ قال
[١] أي : ضعيف الحال.
[٢] أي : حاذق.
[٣] أي : ثقل.