زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٥٧٢ - الآية ١٠٢ ـ ١١٣
فقال إبراهيم : نعم العون أنت يا بنيّ على أمر الله. ثمّ أقبل عليه يقبّله وقد ربطه ، وهما يبكيان. ثمّ وضع السكّين على حلقه فلم تعمل ، لأنّ الله ضرب صفحة نحاس على حلقه.
فقال له : كبّني على وجهي ، فإنّك إذا نظرت في وجهي رحمتني ، وأدركتك رقّة تحول بينك وبين أمر الله.
ففعل. ثمّ وضع السكّين على قفاه فانقلب السكّين ، ونودي من ميسر مسجد الخيف : (يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) فنظر فإذا جبرئيل معه كبش [١] أقرن أملح ، فكبّر جبرئيل. وكان يمشي في سواد ، وينظر في سواد ، ويبعر ويبول في سواد. فذبحه إبراهيم في منى بحيال الجمرة الوسطى ، وتصدّق بلحمه على المساكين.
(وَتَرَكْنا عَلَيْهِ) الثناء الجميل (فِي الْآخِرِينَ سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ) سبق تفسيره في قصّة نوح [٢] (كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) يحتمل أنّه طرح عنه «إنّا» اكتفاء بذكره في هذه القصّة [٣] (إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) أي : مقضيّا نبوّته ، مقدّرا كونه من الصالحين. وبهذا التفسير وقعا حالين. ولا حاجة إلى وجود المبشّر به وقت البشارة ، فإنّ وجود ذي الحال غير شرط ، بل الشرط مقارنة تعلّق الفعل بذي الحال ، لاعتبار المعنى بالحال. فلا حاجة إلى تقدير مضاف يجعل عاملا فيهما ، مثل : وبشّرناه بوجود إسحاق ، أي : بأن يوجد إسحاق نبيّا من الصالحين ، كما قال صاحب الكشّاف [٤]. ومع ذلك لا يصير نظير قوله : (فَادْخُلُوها خالِدِينَ) [٥] فإن الداخلين مقدّرون خلودهم وقت دخولهم ،
[١] الكبش : الخروف إذا دخل في السنة الثانية أو الرابعة. والأقرن : ماله قرنان. ويقال : كبش أملح : إذا كان أسود يعلو شعره بياض.
[٢] راجع ص ٥٨٨.
[٣] الصافّات : ١٠٥.
[٤] الكشّاف ٤ : ٥٩.
[٥] الزمر : ٧٣.