زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٨١ - الآية ٢١ ـ ٢٢
وما روي عن علقمة والحسن : أنّ كلّ شيء نزل فيه (يا أَيُّهَا النَّاسُ) مكّيّ و (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فمدنيّ ، على تقدير صحّته لا يوجب تخصيصه بالكفّار ، ولا أمرهم بالعبادة حالة الكفر ، فإنّ المأمور به هو المشترك بين بدء العبادة والزيادة فيها والمواظبة عليها. فالمطلوب من الكفّار هو الشروع فيها بعد الإتيان بما يجب تقديمه من المعرفة والإقرار بالصانع ، فإنّ من لوازم وجوب الشيء وجوب ما لا يتمّ إلّا به ، وكما أنّ الحدث لا يمنع وجوب الصلاة فالكفر لا يمنع وجوب العبادة ، بل يجب رفعه والاشتغال بها عقيبه. ومن المؤمنين [١] ازديادهم وثباتهم عليها. فلا يرد أن الكفّار لا يعرفون الله ولا يقرّون به فكيف يعبدونه؟ والمؤمنين عابدون ربّهم فكيف أمروا بها؟ وإنّما قال : ربّكم ، تنبيها على أنّ الموجب للعبادة الربوبيّة.
وقوله : (الَّذِي خَلَقَكُمْ) صفة جرت عليه تعالى للتعظيم والتعليل. ويحتمل أن يكون صفة موضحة مميّزة إن خصّ الخطاب بالمشركين وأريد بالربّ أعمّ من الربّ الحقيقي والآلهة الّتي يسمّونها أربابا. والخلق : إيجاد الشيء على تقدير واستواء. وأصله التقدير ، يقال : خلق النعل ، إذا قدّرها وسوّاها بالمقياس.
وقوله : (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) متناول كلّ ما يتقدّم الإنسان بالذّات أو بالزمان ، منصوب معطوف على الضمير في «خلقكم». والجملة أخرجت مخرج المقرّر عندهم ، إمّا لاعترافهم به كما قال الله تعالى : (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللهُ) [٢] (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ) [٣] ، أو لتمكّنهم من العمل به بأدنى نظر.
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) حال من الضمير في «اعبدوا» كأنّه قال : اعبدوا ربّكم راجين أن تنخرطوا في سلك المتّقين ، الفائزين بالهدى والفلاح ، المستوجبين
[١] عطف على قوله : فالمطلوب من الكفّار ، أي : والمطلوب من المؤمنين.
[٢] الزخرف : ٨٧.
[٣] لقمان : ٢٥.