زبدة التّفاسير - الشريف الكاشاني، فتح الله - الصفحة ٥٤٩ - الآية ١٢١
من اطّلاعي إيّاك على أسرارهم ، فإنّي عليم بالأخفى من ضمائرهم.
ثمّ بيّن الله تناهي عداوتهم بقوله : (إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ) من نصرة وغنيمة ونعمة من الله (تَسُؤْهُمْ) تحزنهم (وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ) محنة بإصابة العدوّ منكم ونحوها (يَفْرَحُوا بِها) أي : حسدوا ما أنالكم من خير ومنفعة ، وشمتوا بما أصابكم من ضرّ وشدّة. والمسّ مستعار للإصابة ، فكان المعنى واحدا ، ألا ترى إلى قوله : (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ) [١]. وقوله : (ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) [٢]. وقوله : (إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً) [٣].
(وَإِنْ تَصْبِرُوا) على عداوتهم وأذاهم أو على مشاقّ التكاليف الشرعيّة (وَتَتَّقُوا) عن موالاتهم ، أو عمّا حرّم الله عليكم (لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ) مكر المنافقين وسائر المشركين (شَيْئاً) بفضل الله وحفظه الموعود للصابرين والمتّقين ، فكنتم في كنف الله وحفظه. وأيضا المجدّ في الأمر المعتاد بالاتّقاء والصبر يكون قليل الانفعال عن المصيبة ، جريئا على الخصم. وضمّ الراء لاتباع العين ، كضمّ مدّ. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب : لا يضركم ، من : ضاره يضره.
(إِنَّ اللهَ بِما يَعْمَلُونَ) من الصبر والتقوى وغيرهما (مُحِيطٌ) محيط علمه ، أي : عالم بذلك من جميع جهاته ، فيجازيكم بما أنتم أهله.
(وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٢١))
ولمّا أمر الله سبحانه بالصبر في قوله : (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا) عقّبه بنصرة
[١] التوبة : ٥٠.
[٢] النساء : ٧٩.
[٣] المعارج : ٢٠ ـ ٢١.