الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٢٣٩
مرتهن بدينه، ومن أصبح منكم مهاجرا [١] لأخيه المسلم فليلقه وليصافحه، فإنه لا ينبغي للمؤمن أن يهجر أخاه أكثر من ثلاثة أيام [٢] ، أيها الناس! إنكم قد فجعتم برجل، والله ما أعلم أني رأيت عبدا من عبيد الله أعلن [٣] أمرا ولا أبر صدرا ولا أبعد من الغائلة ولا أشد حبا للعافية ولا أنصح لعامة المسلمين [٤] منه، فرحمة الله على أبي عبيدة! فوالله [٥] لأثنينّ عليه ما حييت ثناء صادقا، ولا أقول فيه باطلا، ولا أخاف أن يلحقني في ذلك من الله تبارك وتعالى مقت ولا غضب، كان والله- ما علمت- من المخبتين المتواضعين الذين يرحمون اليتيم والمسكين ويبغضون الجبارين والمتكبرين.
قال: فقال عمرو بن العاص لرجل كان إلى جنبه: لعمري لقد استعمله أبو عبيدة فرضي عنه وأحسن الثناء عليه، قال: فجاء ذلك الرجل إلى معاذ فخبره بمقالة عمرو، فأرسل إليه معاذ فدعاه ثم قال: يا عمرو! أتزعم أن ثنائي على أبي عبيدة بن الجراح لأنه ولاني هذا الأمر من بعده؟ إن كنت صادقا فأماتك الله بمثل هذه الموتة التي [توفي] فيها أبو عبيدة، فإنّ رسول الله صلّى الله عليه وسلم وآله قد خبرنا أنها ميتة الصالحين [٦] ، وإن كنت كاذبا فأماتني الله بها وأبقاك إلى الفتنة فإنك تحب الإمارة جدا ولعلّك أن تعطي فيها سؤلك يا عمرو! قال: فقال عمرو بن العاص:
أقسمت عليك أبا عبد الرحمن أن لا تغضب ولا تقل إلا خيرا! فوالله ما أردت بك مساءة قط! قال: فسكت معاذ فلم يرد عليه.
ثم كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه كتابا فيه [٧] : بسم الله الرحمن
[١] الأزدي: مصارما مسلما فليلقه وليصالحه إذا لقيه ويصافحه.
[٢] زيد عند الأزدي: والذنب في ذلك عظيم عند الله.
[٣] الأزدي: أقل غمرا.
[٤] زيد عند الأزدي: ولا أشد عليهم تحننا وشفقة.
[٥] هذا القول لمعاذ جاء عند الأزدي ص ٢٦٨ بعد ما دفن أبو عبيدة، انظر مقالته كاملة عنده بعد ما وضعوه في قبره وسفوا عليه التراب.
[٦] إشارة إلى حديث رواه أحمد في مسنده ٣/ ٤٣٧ قال (ص) : اللهم اجعل فناء أمتي في سبيلك بالطعن والطاعون. وفي رواية أخرى عنده ٤/ ٣٩٥ قال (ص) : اللهم اجعل فناء أمتي بالطعن والطاعون.
[٧] نسخة كتابه في فتوح الأزدي ص ٢٧٣ والوثائق السياسية وثيقة رقم ٣٥٧/ ج ص ٤٨٩.