الكامل في التاريخ - ط دار صادر و دار بیروت - ابن الأثير، عزالدین - الصفحة ١٢
فأخرجهم من خنادقهم كأنهم جبال حديد قد تواثقوا أنْ لا يفرُّوا وقد قرن بعضهم بعضاً كل سبعة في قران وألقوا حسك الحديد خلفهم لئلا ينهزموا ، فلما خرجوا نكص ثم نكص واغتنمها الأعاجم ففعلوا كما ظن طليحة وقالوا : هي هي . فلم يبق أحدٌ إلا من يقوم على الأبواب وركبوهم ، ولحق القعقاع بالناس وانقطع الفرس عن حصنهم بعض الانقطاع والمسلمون على تعبية في يوم جمعة صدر النهار ، وقد عهد النعمان إلى الناس عهده وأمرهم أنْ يلزموا الأرض ولا يقاتلوا حتى يأذن لهم ففعلوا واستتروا بالحجف من الرمي . وأقبل المشركون عليهم يرمونهم حتى أفشوا فيهم الجراح .
وشكا بعض الناس وقالوا للنعمان : ألا تري ما نحن فيه فما تنتظر بهم ؟ ائذن للناس في قتالهم . فقال : رويداً رويداً . وانتظر النعمان بالقتال أحب الساعات كانت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلقى العدو فيها وذلك عند الزوال فلما كان قريباً من تلك الساعة ركب فرسه ، وسار في الناس ووقف على كل راية يذكَرهم ويحرّضهم ويمنّيهم الظفر وقال لهم : إني مكبّر ثلاثاً فإذا كبرتُ الثالثة فإني حاملٌ إنْ شاء الله فاحملوا وإنْ قتلتُ فالأمير بعدي حذيفة ، فإن قتل ففلان حتى عَذ سبعة آخرهم المغيرة . ثم قال : اللهم أعزز دينك ، وانصر عبادك ، واجعل النعمان أولى شهيد اليوم على إعزاز دينك ونصر عبادك .
وقيل : بلِ قال : اللهم إنّي أسألك أنْ تقر عيني اليوم بفتحٍ يكون فيه عز الإسلام واقبضني شهيداَ . فبكى الناسُ ورجع إلى موقفه فكبر ثلاثاً والناس سامعون مطيعون مستعدون للقتال وحمل النعمان والناس معه وانقضت رايته انقضاض العقاب والنعمان معلّم ببياض القباء والقلنسوة فاقتتلوا قتالاً