الرياض النضرة في مناقب العشرة - الطبري، محب الدين - الصفحة ١٠١ - الفصل الثامن في هجرته مع النبي
قالت: فو اللّه ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي [١] يومئذ- خرجه ابن إسحاق و لم يعلم أحد فيما بلغني بخروج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) إلا علي بن أبي طالب، فإن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) أخبره بخروجه و أمره ان يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) الودائع [٢] التي كانت عنده للناس، و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) ليس أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عنده لما يعلم من أمانته و صدقه، فلما أجمع على الخروج أتى أبا بكر فخرج من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته ثم عمد إلى غار بثور: جبل بأسفل مكة، و أمر أبو بكر عبد اللّه بن أبي بكر أن يستمع لهما ما يقول الناس نهارا ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون من الخبر.
و أمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحها عليهما إذا أمسى في الغار، و كانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما، فأقام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في الغار ثلاثة أيام و معه أبو بكر، و جعلت قريش حين فقدوه مائة ناقة لمن رده عليهم، حتى إذا مضت الثلاث و سكن عنهما الناس، أتاهما صاحبهما الذي استأجراه ببعيرهما و بعير له، و أتتهما أسماء بنت أبي بكر بسفرتهما و نسيت أن تجعل لها عصاما، فلما ارتحلا ذهبت لتعلق السفرة فإذا ليس فيها عصام فتحل بطاقها فتجعله عصاما ثم علقتها به فكان يقال لها ذات النطاق لذلك.
قال ابن هشام: و سمعت غير واحد من أهل العلم يقول ذات النطاقين و تفسيره أنها شقت نطاقها باثنتين فعلقت السفرة بواحدة و انتطقت بالأخرى و عن أسماء أنها قالت: صنعت سفرة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و سلّم) في بيت أبي
[١] كما قال الشاعر:
هجم السرور عليّ حتى أنّه* * * من فرط ما قد سرّني أبكاني
يا عين قد سار البكا لك عادة* * * تبكين من فرح و من أحزان
[٢]: و إيداع الودائع عنده: (صلّى اللّه عليه و سلّم)، وردها عند هجرته إلى أهلها- من أقوى الأدلة على أمانته.