الحدود - ابن سينا - الصفحة ٦٣ - مقدمة المحقق
و من هذه النقاط، التفسيرية للنص، نفهم ان ابن سينا لم يؤلف كتاب الشفاء بعد؛ و الا كيف يمكن ان نتصور انه عالج موضوع الحدود على هذه السعة في كتاب الشفاء [٣٦]؛ و يتردد هنا في تأليف رسالة صغيرة يكشف فيها عن المبادي الاساسية للنظر في الحدود و الرسوم؟ و لو كانت هذه الرسالة، بعد الشفاء، لما ارتضينا ذلك منطقيا، لان الصحيح ان يكون تلاميذه ملمين بمحتوى الشفاء في موضوع الحدود؛ فلا يسألونه تفسيرا، و لا يطلبون منه ايضاحا، و لا يلحون عليه بطلب تأليف رسالة في ذلك.
و اذا كنا الآن على ثقة من ان ابن سينا ألف الرسالة قبل الشفاء؛ فمتى كان ذلك؟ ان الاجابة على مثل هذا السؤال ستفيدنا في فهم نقطتين رئيستين، هما:
١- ان لغة ابن سينا في الرسالة لا ترقى الى ما نجده في كتبه المتأخرة.
٢- ان الرسالة، في الاساس، يعالج فيها ابن سينا موضوع الحد أول مرة.
ان استيضاح جملة من اخبار ابن سينا سيكشف جانبا مهما عن هاتين النقطتين. و اول هذه الاخبار انه رحل الى جرجان سنة ٤٠٣/ ١٠١٧ [٣٧]، فتعرف عليه ابو عبيد الجوزجاني [٣٨]، و اصبح مريده و مرافقه مدة خمسة و عشرين عاما [٣٩]؛ فقد بدأ مع زملاء له في تلقي العلم عن ابن سينا، لان ابن سينا باشر في هذه المدة بجرجان التعليم، و التصنيف [٤٠]. و كانت مؤلفاته كثيرة في هذه المدة [٤١]، منها كتاب «المختصر الاوسط في المنطق»، الذي لخص فيه مجمل القضايا المنطقية ببساطة متناهية؛ فأملى مادته على ابي محمد
[٣٦] قارن: ابن سينا، البرهان، نشرة بدوي، فن ٥ م ٤؛ و الجدل، نشرة الأهواني، م ٥ ف ٢.
[٣٧] نصر، ثلاثة حكماء، ص ٣٥.
[٣٨] قارن القفطي، اخبار الحكماء، ص ٢٧٢.
[٣٩] ايضا، ص ٢٧٥؛ و البيهقي يذكر انها مدة ثلاثين سنة، (انظر: تاريخ حكماء الإسلام، ص ٦٤).
[٤٠] انظر: القفطي، اخبار الحكماء، ص ٢٧٢.
[٤١] انظر: قنواتي، مؤلفات ابن سينا، المقدمة ص ٢٠.