موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٣٦٦ - اعتبار الأعلمية في القاضي
إذن
فهذه الروايات بأجمعها غير صالحة لتقييد الصحيحة مضافاً إلى أن جميعها
تشتمل على الترجيح بالأورعية والأعدلية، ولا شبهة في أن الأورعية غير معينة
للرجوع إلى الأورع عند وجود من هو أعلم منه. وبهذا يظهر أن مواردها صورة
المعارضة دون الرجوع ابتداءً.
و مما استدل به على التقييد ما في عهد أمير المؤمنين(عليه السّلام)إلى مالك الأشتر من قوله: «اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك»{١}.
و يرد عليه: أوّلاً: أن العهد غير ثابت السند بدليل قابل للاستدلال به في
الأحكام الفقهية وإن كانت عباراته ظاهرة الصدور عنه(عليه السّلام)إلّا أن
مثل هذا الظهور غير صالح للاعتماد عليه في الفتاوى الفقهية أبداً.
و ثانياً: أنه إنما يدل على لزوم اختيار أفضل الرعية للقضاء، وأين هذا من
اعتبار الأعلمية في محل الكلام، لأن بين الأفضل والأعلم عموماً من وجه فإن
الظاهر أن المراد بالأفضل هو المتقدم فيما يرجع إلى الصفات النفسانية من
الكرم وحسن الخلق وسعة الصدر ونحوها مما له دخل في ترافع الخصمين وسماع
دعواهما وفهمها، دون الأعلمية في الفقاهة والاستنباط بالمعنى المتقدم في
معنى الأعلم.
و ثالثاً: أن ما ادعي من دلالة العهد على اعتبار الأعلمية لو تمّ فإنما
يختص بالقاضي المنصوب نصباً خاصاً من قبل الإمام(عليه السّلام)أو الوالي من
قبله، ومحل الكلام إنما هو القاضي المنصوب بالنصب العام من باب الولاية
وأين أحدهما من الآخر.
و المتحصّل: أنه ليس هناك دليل يدلنا على تقييد الصحيحة المتقدمة، فإطلاقها هو المحكّم كما ذكرناه.
و قد يتوهّم أن في الأخبار الواردة عنهم(عليهم السّلام)ما دلّ على اشتراط
الأعلمية في باب القضاء كما ذكره صاحب الوسائل(قدّس سرّه)حيث عقد باباً
وعنونه بباب أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم عند الشك في المسألة، ولا في حضور
من هو أعلم منه{٢}.
{١}نهج البلاغة: ٤٣٤.
{٢}وسائل الشيعة ٢٧: ٢١٥/ أبواب آداب القاضي.