الإبتلاء سنة إلهية على بساط العبودية - الحسيني، صلاح الدين - الصفحة ٧٥

ويـقـول الإمام عـلي عليه السلام في نهج البلاغة أنه (من وسع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا فقد أمن مخوفا).

وهناك أيضا أنواع أخرى من الإستدراج غير التي ذكرناها وتتضمنها الآيات المذكورة آنفا في مضامينها، تختص بمن يتمثلون بالإسلام والتدين أكثر من غيرهم. كالإستدراج بالطاعات والعبادات، من خلال العجب والرياء، ومن خلال حب النفس وإعجاب أصحاب الآراء بآرائهم، وأصحاب العقول بعقولهم، قال تعالى في سورة فاطر. الآية: ٨ {أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا}.

فيتصورون الكمال في أنفسهم وأعمالهم وسلوكهم، فيبتهجون ويستكبرون ويهلكون، فمن دخله العجب هلك، ولا جهل أضر من العجب.

فيؤخذون من هذا الجانب تدريجيا إلى الطرد من رحمة الله تعالى من حيث ما يعتقدون أنهم فيه على حق. فيكون تدميرهم في تدبيرهم، ومن خلال جمودهم على أهوائهم وآرائهم، واعتقادهم بأعلميتهم، فيترفعون عن بساط العبودية وعن الإقتداء بالأئمة من أهل البيت عليهم السلام، ولا يأخذون من هديهم، ثم تدريجيا يتطاولون على مقام رسول الله صلى الله عليه وآله من خلال اعتقادهم بأنهم مُشَرعون مثله، ثم بعد ذلك يفضلون ما تُمليه عليهم عقولهم ويفضلون ذلك على أحكام وأوامر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

وواقع الإستدراج هذا حاصل فعلا عند المسلمين وقد عاشوه فعلا ولازالوا يعيشونه اليوم، ولا أريد أن أذكر بمن استدرج بآرائه ليتطاول بها على رسول الله، وعلى مقام أهل البيت عليهم الصلاة والسلام، فلقد ذكرت لك بعضا من أولئك.

ولكنني أُذَكر هنا بالخوارج الذين تمكنوا في العبادات وحفظ القرآن، وظنوا أنفسهم أوصياء الله في الأرض، واستدرجوا حتى وصل بهم الأمر إلى تكفير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، ثم التآمر على قتله، وهم يعتقدون أنهم يطبقون أمر الله تعالى، فأوصلهم الإستدراج بالطاعات وحفظ القرآن والعجب إلى الخروج عن بساط العبودية واستحقاق عقوبة اللعن والطرد