التصور الفني في القران - سيد قطب - الصفحة ١٢٥
ثم نرقى إلى أفق آخر من آفاق التناسق الفني، في التصوير القرآني.
إن التناسق إلى هنا كان في الصورة أو المشهد، وكان على أتمه وأوفاه في الجزئيات وفي الجو العام. ولكن الإبداع المعجز لا يقف هنا. إنه في بعض الأحيان يضع إطارًا للصورة، أو نطاقًا للمشهد، فينسق الإطار والنطاق مع الصورة والمشهد، ثم يطلق من حولهما الإيقاع الموسيقي الذي يناسب هذا كله، فيبلغ من ذلك ما يعبر عنه النموذج:
١- {وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى، أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى، فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ، وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ، وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} .
لقد أطلق التعبير جوًّا من الحنان اللطيف، والرحمة الوديعة، والرضاء الشامل، والشجي الشفيف: {مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى} ثم: {أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى} . ذلك الحنان، وتلك الرحمة، وذاك الرضاء، وهذا الشجي تنسرب كلها من خلال النظم اللطيف العبارة، الرقيق اللفظ؛ ومن هذه الموسيقى السارية في التعبير، الموسيقى الرتيبة الحركات، الوئيدة الخطوات، الرقيقة الأصداء، الشجية الإيقاع..
فلما أراد إطارًا لهذا الحنان اللطيف، ولهذه الرحمة الوديعة، ولهذا