التصور الفني في القران - سيد قطب - الصفحة ١٠٩
صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ، فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ ... } إلخ.
وهكذا يتغير نظام الفاصلة فتطول، ويتغير نظام القافية فتصبح بحرف النون أو بحرف الميم وقبلهما مد طويل. وكأنما هو في هذه الآيات الأخيرة يصدر حكمًا بعد نهاية القصة، مستمدًّا منها.
ولهجة الحكم تقتضي أسلوبًا موسيقيًّا غير أسلوب الاستعراض.
وتقتضي إيقاعًا قويًّا رصينًا، بدل إيقاع القصة الرضي المسترسل، وكأنما لهذا السبب كان التغيير.
ونحن نستأنس في هذا الاستنباط بملاحظة أخرى. ذلك أنه بمجرد الانتهاء من إصدار هذا الحكم وإلقاء ذلك القرار، عاد إلى النظام الأول في القافية والفاصلة؛ لأنه عاد إلى قصص جديد، على النحو التالي:
{فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمِْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ، وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا ... } . إلخ.
وفي سورة "النبأ" بدأت السورة بقافية النون والميم: