التصور الفني في القران - سيد قطب - الصفحة ١٠٣
وضم ذلك إلى الخصائص التي ذكرنا، فنشأ النثر والنظم جميعًا[١].
وحيثما تلا الإنسان القرآن أحس بذلك الإيقاع الداخلي في سياقه؛ يبرز بروزًا واضحًا في السور القصار، والفواصل السريعة، ومواضع التصوير والتشخيص بصفة عامة؛ ويتوارى قليلًا أو كثيرًا في السور الطوال، حتى تنفرد الدقة في آيات التشريع. ولكنه -على كل حال- ملحوظ دائمًا في بناء النظم القرآني.
وها نحن أولاء نتلو سورة النجم مثلًا:
{وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى، ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى، مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى، أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى، وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى، عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى، عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى، إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى، مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى، أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى، أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى، تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى} .
هذه فواصل متساوية في الوزن تقريبًا -على نظام غير نظام
[١] يقول الدكتور طه حسين: إن القرآن ليس شعورًا وليس نثرًا. إنما هو قرآن! ولسنا في حاجة إلى هذا اللعب بالعبارات، فالقرآن نثر متى احتكمنا للاصطلاحات العربية كما ينبغي. ولكنه نوع ممتاز مبدع من النثر الفني الجميل المتفرد.