تفسير الطبري جامع البيان ت شاكر - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٢
وقالوا: تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهاجروا! فسماهم الله منافقين، وبرّأ المؤمنين من وَلايتهم، وأمرهم أن لا يتولَّوهم حتى يهاجروا.
* * *
وقال آخرون: بل كان اختلافهم في قوم كانوا بالمدينة، أرادوا الخروج عنها نفاقًا.
* ذكر من قال ذلك:
١٠٠٥٨- حدثنا محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا"، قال: كان ناس من المنافقين أرادوا أن يخرجوا من المدينة، فقالوا للمؤمنين: إنّا قد أصابنا أوجاعٌ في المدينة واتَّخَمْناها، [١] فلعلنا أن نخرج إلى الظَّهر حتى نتماثل ثم نرجع، [٢] فإنا كنا أصحاب برّيّة. فانطلقوا، واختلف فيهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت طائفة: أعداءٌ لله منافقون! [٣] وددنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن لنا فقاتلناهم! وقالت طائفة: لا بل إخواننا غَمَّتهم المدينة فاتّخموها، [٤]
[١] "اتخمناها"، "افتعل" من"الوخم"، يقال: "أرض وخمة ووخيمة"، وبيئة، لا يوافق المرء سكنها فيجتويها. و"استوخم القوم المدينة": استثقلوها، ولم يوافق هواؤها أبدانهم. والذي ذكرته كتب اللغة بناء"استوخم""استفعل" متعديا من"الوخم"، ولم يذكروا"اتخم""افتعل"، وهو صحيح في قياس العربية. وهذا شاهده.
[٢] "الظهر": ما غلظ وارتفع من الأرض، و"البطن": ما لان منها وسهل ورق واطمأن. ومثله"ظاهر الأرض"، فسموا ما بعد عن القرية وارتفع في البرية: "ظهر البلدة وظاهرها".
[٣] في المطبوعة: "أعداء الله المنافقون"، وفي المخطوطة: أعداء الله منافقون"، والصواب ما أثبت.
[٤] في المطبوعة والدر المنثور ٢: ١٩١: "تخمتهم المدينة فاتخموها"، وليس صوابا. وفي المخطوطة: "عمهم المدينة" غير منقوطة، وهذا صواب قراءتها، من"الغم": وهو الكرب وكل ما يكرهه الإنسان فيورثه الضيق والهم. والدليل على صحة هذه القراءة ما جاء في معاني القرآن ١: ٢٨٠"ضجروا منها واستوخموها" وانظر ما سلف تعليق: ١، في تفسير"اتخم".