نشوار المحاضرة و أخبار المذاكرة - التنوخي، محمد بن علي - الصفحة ٢٧

فطلب من التنوخيّ «أن يمضي إلى الخليفة، و أن يقول له عن والدة الصبيّة، إنّها مستزيدة لإقبال مولانا عليها» [١] .

و كأنّ التنوخي خشي مغبّة الدخول في هذا الحديث، أو كأنّه استشعر أن لا فائدة من التحدّث فيه، فقد أحسّ بأنّه أصبح بين نارين، إن كلّم الخليفة أغضبه، و إن اعتذر أغضب عضد الدولة، و هما أمران أحلاهما مرّ، فاختار لنفسه أن يتمارض، و حبس نفسه في داره، متعلّلا بالتواء ساقه، و أنّه لا يطيق مبارحة فراشه.

و لكنّ عضد الدولة، أحسّ بأنّ التنوخيّ متمارض، فبعث إليه من كشف أمره، و عندئذ صبّ جام غضبه عليه، فعزله من جميع أعماله، و نصب بدلا منه، قضاة ستّة، يقومون بالعمل الذي كان منوطا به وحده، كما أنّه أصدر إليه أمره، بأن يظلّ في داره حبيسا، لا يبارحها [٢] ، و ظلّ التنوخيّ على حاله هذه، حتى توفّي عضد الدولة في السنة ٣٧٢.

و ليس فيما بين أيدينا من قصص النشوار، ما نستطيع أن نتبيّن منه، كيفيّة حياة القاضي المحسّن التنوخي، بعد وفاة عضد الدولة، و الذي يلوح لنا، أنّه لم يتقلّد عملا من أعمال السلطان. و أنّه قصر وقته، على إتمام كتابه «النشوار» ، الذي بدأ به في السنة ٣٦٠، و على تأليف كتاب «الفرج بعد الشدة» ، الذي بدأ به في السنة ٣٧٣ [٣] ، و قد استخلص أكثر أخباره من النشوار، و على تربية ولده أبي القاسم عليّ، الذي ولد في السنة ٣٧٠.

و كما أنّ المحسّن التنوخيّ، كان وحيد والديه، على ما يظهر، و قد ولد،


[١] تجارب الأمم ٣/٢٠.

[٢] تجارب الأمم ٣/٢١.

[٣] القصة ٢/١٣٤ من النشوار.