جمهرة أنساب العرب - ابن حزم - الصفحة ٢ - مقدمة المؤلف
بأنسابهم غرضا له تعالى فى خلقه إيّانا شعوبا و قبائل؛فوجب بذلك أنّ علم النسب علم جليل رفيع،إذ به يكون التعارف.و قد جعل اللّه تعالى جزءا منه تعلّمه لا يسع أحدا جهله،و جعل تعالى جزءا يسيرا منه فضلا تعلمه،يكون من جهله ناقص الدرجة فى الفضل.و كلّ علم هذه صفته فهو علم فاضل،لا ينكر حقّه إلاّ جاهل أو معاند.
فأما الفرض من علم النسب،فهو أن يعلم المرء أنّ محمدا-صلى اللّه عليه و سلم- الذى بعثه اللّه تعالى [١]إلى الجنّ و الإنس بدين الإسلام [٢]،هو محمد بن عبد اللّه القرشى الهاشمىّ،الذى كان بمكة،و رحل منها إلى المدينة.فمن شكّ فى محمد -صلى اللّه عليه و سلم-أهو قرشىّ،أم يمانى،أم تميمىّ،أم أعجمى،فهو كافر، غير عارف بدينه،إلاّ أن يعذر بشدّة ظلمة الجهل؛و يلزمه أن يتعلم ذلك، و يلزم من صحبه تعليمه أيضا.
و من الفرض فى علم النسب أن يعلم المرء أن الخلافة لا تجوز إلا فى ولد فهر ابن مالك بن النضر بن كنانة؛و لو وسع جهل هذا لأمكن ادّعاء الخلافة لمن لا تحلّ له؛و هذا لا يجوز أصلا.و أن يعرف الإنسان أباه و أمّه،و كلّ من يلقاه بنسب فى رحم محرّمة،ليجتنب ما يحرم عليه من النكاح فيهم.و أن يعرف كل من يتصل به برحم توجب ميراثا،أو تلزمه صلة أو نفقة أو معاقدة أو حكما مّا، فمن جهل هذا فقد أضاع فرضا واجبا عليه،لازما له من دينه.
حدّثنا أبو محمد عبد اللّه بن ربيع [٣]التميمىّ قال:ناأبو بكر محمد بن معاوية القرشى الهاشمى:ناأبو عبد اللّه الحسن بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبى طالب،قال:حدثنى أبى:ناأبو ضمرة أنس بن عياض:ناعبد الملك بن
[١] قال تعالى: وَ مٰا أَرْسَلْنٰاكَ إِلاّٰ كَافَّةً لِلنّٰاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً .
[٢] قال تعالى: وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ .
[٣] انظر ترجمة عبد اللّه في جذوة المقتبس ص ٢٤٣ بتحقيق ابن تاويت.