سير اعلام النبلاء - ط الرساله - الذهبي، شمس الدين - الصفحة ٢٤
فَقُضِيَ أَنَّ أَهْلَ الكُوْفَةِ وَفَدُوا عَلَى عُمَرَ، فَوَفَدَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ يَسْخَرُ بِهِ.
فَقَالَ عُمَرُ: مَا هَا هُنَا [١] رَجُلٌ مِنَ القَرَنِيِّيْنَ؟
فَقَامَ ذَلِكَ الرَّجُلُ، فَقَالَ عُمَرُ:
إِنَّ رَسُوْلَ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (إِنَّ رَجُلاً يَأْتِيْكُم مِنَ اليَمَنِ، يُقَالُ لَهُ: أُوَيْسٌ، لاَ يَدَعُ بِاليَمَنِ غَيْرَ أُمٍّ لَهُ، قَدْ كَانَ بِهِ بَيَاضٌ، فَدَعَا اللهَ، فَأَذْهَبَهُ عَنْهُ، إِلاَّ مَوْضِعَ الدِّرْهَمِ، فَمَنْ لَقِيَهُ مِنْكُم، فَمُرُوْهُ [٢] ، فَلْيَسْتَغْفِرْ لَكُم) .
قَالَ عُمَرُ: فَقَدِمَ عَلَيْنَا هَا هُنَا، فَقُلْتُ: مَا أَنْتَ؟
قَالَ: أَنَا أُوَيْسٌ.
قُلْتُ: مَنْ تَرَكْتَ بِاليَمَنِ؟
قَالَ: أُمّاً لِي.
قُلْتُ: هَلْ كَانَ بِكَ بَيَاضٌ، فَدَعَوْتَ اللهَ، فَأَذْهَبَهُ عَنْكَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي.
قَالَ: يَا أَمِيْرَ المُؤْمِنِيْنَ! يَسْتَغْفِرُ مِثْلِي لِمِثْلِكَ؟!
قُلْتُ: أَنْتَ أَخِي، لاَ تَفَارِقُنِي.
فَانْمَلَسَ مِنِّي، فَأُنْبِئْتُ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَيْكُمُ الكُوْفَةَ.
قَالَ: وَجَعَلَ الرَّجُل يُحَقِّرُهُ عَمَّا يَقُوْلُ فِيْهِ عُمَرُ، فَجَعَلَ يَقُوْلُ: مَاذَا فِيْنَا، وَلاَ نَعْرِفُ هَذَا [٣] .
قَالَ عُمَرُ: بَلَى، إِنَّهُ رَجُلٌ كَذَا.
فَجَعَلَ يَضَعُ [٤] مِنْ أَمْرِهِ، فَقَالَ: ذَاكَ رَجُلٌ عِنْدَنَا نَسْخَرُ بِهِ.
فَقَالَ لَهُ: أُوَيْسٌ؟
قَالَ: هُوَ هُوَ، أَدْرِكْ، وَلاَ أُرَاكَ تُدْرِكُ.
فَأَقْبَلَ الرَّجُلُ، حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ.
فَقَالَ أُوَيْسٌ: مَا كَانَتْ هَذِهِ عَادَتُكَ! فَمَا بَدَا لَكَ؟ أَنْشُدُكَ اللهَ.
قَالَ: لَقِيْتُ عُمَرَ، فَقَالَ كَذَا، وَقَالَ كَذَا، فَاسْتَغْفِرْ لِي.
قَالَ: لاَ أَسْتَغْفِرُ لَكَ حَتَّى تَجْعَلَ لِي عَلَيْكَ أَنْ لاَ تَسْخَرَ بِي، وَلاَ تَذْكُرَ مَا سَمِعْتَ مِنْ عُمَرَ إِلَى أَحَدٍ.
قَالَ: لَكَ ذَاكَ.
قَالَ: فَاسْتَغْفَرَ لَهُ.
قَالَ أُسَيْرٌ: فَمَا لَبِثَ أَنْ فَشَا حَدِيْثُهُ بِالكُوْفَةِ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَخِي، أَلاَ أَرَاكَ أَنْتَ العُجْبُ، وَكُنَّا لاَ نَشْعُرُ.
قَالَ: مَا كَانَ فِي هَذَا مَا أَتَبَلَّغُ بِهِ إِلَى النَّاسِ، وَمَا يُجْزَى كُلُّ عَبْدٍ إِلاَّ بِعَمَلِهِ.
فَلَمَّا فَشَا الحَدِيْثُ، هَرَبَ، فَذَهَبَ [٥] .
[١] في طبقات ابن سعد: " هل ها هنا ".
[٢] ما بين الحاصرتين من طبقات ابن سعد.
[٣] لفظ ابن سعد في الطبقات: " ما هذا فينا يا أمير المؤمنين وما نعرفه ".
[٤] في نسخة للمؤلف: " يصف ".
[٥] الخبر في طبقات ابن سعد ٦ / ١٦١ وما بعدها والحلية ٢ / ٧٩، ٨٠ وتاريخ الإسلام ٢ / ١٧٣.