الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٤١١
لما حاصره طاهر، فخرج ذات ليلة من قصره يريد أن يتفرج من الضيق الذي هو فيه فصار إلى قصر القرار [١] فقال لي: يا إبراهيم! أما ترى طيب هذه الليلة وحسن هذا القمر في السماء وضوءه في الماء فهل لك والشرب؟ فقلت: شأنك وما تريد جعلني الله فداك! فدعا برطل من نبيذ فشربه، ثم أمر بسقيته مثله، فابتدرت أغنيه من غير أن يسألني لعلمي بسوء خلقه، فغنيت ما كان يحبه، فقال لي: ما تقول فيمن يضرب عليك؟ فقلت: ما أحوجني إلى ذلك! فدعا بجارية متقدمة عنده يقال لها صعب [٢] ، فتطيرت من اسمها ونحن في ذاك الحال الذي نحن فيه من الضيق والحصر، فلما صارت بين يديه قال: غني! فغنت [٣] بشعر النابغة الجعدي:
كليب لعمري [٤] كان أكثر ناصرا ... وأيسر ذنبا [٥] منك ضرّج بالدم
قال: فاشتد عليه ذلك البيت الذي غنته له ثم تطير منه، فقال: غني غير هذا! فغنت [٦] :
أبكي فراقهم عيني فأرّقها ... إن التفرق للأحباب بكاء
ما زال يعدو عليهم صرف دهرهم ... حتى تفانوا وريب [٧] الدهر عداء
فقال لها: لعنك الله! أما تعرفين تغني غير هذا؟ فقالت: يا سيدي! ما تغنيت إلا بما ظننت أنك تحبه، وما هو إلا شيء جاءني، ثم أخذت في غناء آخر:
أما ورب السكون [٨] والحرك ... إن المنايا كثيرة الشرك
ما اختلف الليل والنهار ولا ... دارت نجوم السماء في الفلك
إلا لنقل السلطان عن ملك ... قد انقضى ملكه إلى ملك
[١] عن الطبري ٨/ ٤٧٦ وبالأصل «فصار إلى قصر الفرات» وهو في قرنة الصراة، أسفل من قصر الخلد.
[٢] في مروج الذهب ٣/ ٤٧٩ «ضعف» .
[٣] في مروج الذهب: فوضعت العود في حجرها وغنت.
[٤] عن الطبري ٨/ ٤٧٧ وابن الأثير ٤/ ١٣٢ ومروج الذهب، وبالأصل «كلبت غيرى» .
[٥] في مروج الذهب: حزما.
[٦] البيتان في الطبري وابن الأثير.
[٧] عن المصدرين وبالأصل «رب» .
[٨] عن الطبري ومروج الذهب وابن الأثير وبالأصل «السماء» .