الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٣٦١
وعباده الصالحين وأخيه العباس أنهما قد برئا إلى الله منك فيما اقترفت من القتل والأمر العظيم، وستعلم عن قريب أبا مجرم إذا أحاطت بك العساكر وأخذتك الصفائح أي رجل تكون! وأقسم بالله العظيم الذي لا إله غيره إن عبرت البحر لطلبتك ولو بلغت إلى مطلع الشمس ومغربها، وحسب أمير المؤمنين الله ونعم الوكيل.
قال: فلما فرغ وورد الكتاب على أبي مسلم وقرأه ضاق به ذرعا، ثم إنه ذل وخضع وخشي أن تأتيه الجيوش من العراق ولا يقوم لها، فكتب إلى المنصور يستعطفه ويسأله أن يعطيه الأمان، ثم بعث بكتابه مع أبي إسحاق صاحب حرسه [١] ، فأجابه المنصور إلى ذلك.
ذكر قدوم أبي مسلم من خراسان على المنصور ومقتله بين يديه
قال: فخرج أبو مسلم من خراسان ومعه خلق عظيم حتى صار إلى العراق.
قال: فكان لا يمر ولا يقدم على موضع إلا استقبلوه بالبر والإحسان والإكرام حتى إذا صار إلى باب المنصور خرج إليه أبو الخصيب الحاجب فقال: إن أمير المؤمنين يأمرك أن تنصرف إلى المنزل الذي قد استعد لك! قال: فانصرف إليه، وقد أعد له جميع ما يحتاج إليه من فرش وغير ذلك من طعام وشراب، وجعلت الألطاف تأتيه من عند المنصور في كل وقت، فأقام كذلك ثلاثة أيام، فلما كان في اليوم الرابع أرسل إليه المنصور فدعاه، قال: فركب أبو مسلم وصار إلى الباب فدخل الحاجب فأعلم المنصور، فقال: ذره ولا تعجل، والمنصور جالس في مجلسه وحده ليس عنده أحد إلا من لا يحتشمه غير أنه يفكر في أمر أبي مسلم وما يريد أن يصنع وهو يقول شعرا، قال: ثم أذن لأبي مسلم بالدخول، فدخل وسلم، فلم يرد عليه السلام ثم أومأ إليه أن اجلس! فجلس أبو مسلم على وسادة وعليه يومئذ قباء ديباج أسود، فأقبل
[١] يفهم من عبارة الطبري وابن الأثير: أن أبا جعفر استمال أبا إسحاق إلى جانبه، وأنه وعده بولاية خراسان إن هو أقنع أبا مسلم بالمجيء إليه، وبالفعل فقد قال أبو إسحاق لأبي مسلم لما عاد من رحلته إلى أبي جعفر: ما أنكرت شيئا، رأيتهم معظمين لحقك، يرون لك ما يرون لأنفسهم، وأشار عليه أن يرجع إلى أمير المؤمنين، ويعتذر إليه مما كان منه.