الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٤٠١
دخلنا طوس ونزلنا في منزل حميد بن عبد الله [١] ، فبينا أمير المؤمنين في بستان ذلك القصر متمرض إذ ذكر تلك الرؤيا، فوثب متحاملا يقوم ويسقط، فقال: يا جبريل! تذكر رؤياي في طوس، ثم رفع رأسه إلى مسرور الخادم وقال: جب لي من تربة هذا البستان! فمضى مسرور وأتى وفي كفه من التربة حاسرا عن ذراعيه، فلما نظر إليها قال: هذه والله الذراع التي رأيتها [٢] في الشام، وهذه التربة الحمراء، فأقبل على البكاء والنحيب، ثم مات بعد ثلاثة أيام، ودفن في ذلك البستان نصف الليل لثلاث خلون من شهر جمادى الأول سنة ثلاث [٣] وتسعين ومائة، واستخلف ليلة الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة وهو يومئذ ابن اثنتين وعشرين سنة، وتوفي ليلة الأحد وهو ابن خمس [٤] وأربعين سنة، فملك ثلاثا [٥] وعشرين سنة وشهرا [٦] وسبعة عشر يوما [٧] ، وكان مولده بالري، وفي ذلك يقول أبو العتاهية:
إن أمير المؤمنين في خلقه ... حن به البر إلى مولده
ليصلح الري وأقطارها ... ويمطر الخير بها من يده
وهذا في رواية بكر بن إسماعيل، وقيل: كان ملكه ثلاثا [٨] وعشرين سنة وستة عشر يوما. وكان جسيما جميلا وسيما، أبيض جعد الشعر قد وخطه الشيب، وكان يصلي كل يوم مائة ركعة إلى أن فارق الدنيا إلا أن تعرض له علة، وكان يتصدق من صلب ماله كل يوم بألف درهم، وإذا حج حج معه مائة من الفقهاء، فالسنة التي لا يحج فيها أحج ثلاثمائة رجل بالنفقة السابغة، وكان في الهيبة والسياسة مثل المنصور و [في] السماحة مثل السفاح. فلما مات كتب الخبر إلى المأمون وهو يومئذ بمرو،
[١] في الطبري: الجنيد بن عبد الرحمن.
[٢] الطبري وابن الأثير: رأيتها في منامي.
[٣] بالأصل: ثلاثة.
[٤] بالأصل: خمسة.
[٥] عن الطبري وبالأصل «اثنين» .
[٦] عن الطبري وبالأصل «ثمانية أشهر» .
[٧] انظر في يوم موته ومقدار عمره ومدة خلافته الطبري ٨/ ٣٤٥ ابن الأثير ٤/ ٨٨ مروج الذهب ٣/ ٤١٢ التنبيه والأشراف ص ٣٤٥ تاريخ اليعقوبي ٢/ ٤٣٠ فوات الوفيات ٢/ ٦١٦ المعارف ص ٣٨٣ تاريخ خليفة ص ٤٦٠ وانفرد في الإمامة والسياسة وذكر موته سنة ١٩٥ هـ.
[٨] الأصل «ثلاثة» .