الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٣٠٥
الشام [١] ، فهرب الوليد إلى دمشق، وروي أنه دخل القصر فأحاطوا به، فجلس الوليد وأخذ مصحفا وقال: يوم كيوم عثمان، فعلوا الحائط، وكان أول من علا يزيد بن عنبسة السكسكي فأخذ بيد الوليد وهو يريد أن يحبسه ويؤامر فيه، فنزل من الحائط عشرة فيهم منصور بن جمهور وعبد السلام اللخمي والسري بن زياد بن أبي كبشة وغيرهم، فضربه عبد السلام على رأسه والسري على وجهه، واحتز أبو علاقة رأسه. وقدم به على يزيد بن الوليد وقال: أبشر يا أمير المؤمنين بقتل الفاسق الوليد! وكان يزيد يتغدى فسجد لله تعالى ومن كان معه فرحا، كما سجد أبو العباس السفاح حين هلك مروان بن محمد. وكان ملكه سنة وشهرين، وقتل يوم الأربعاء لتسع ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة وهو ابن خمس وأربعين سنة [٢] .
وصار الأمر إلى يزيد بن الوليد بن عبد الملك وهو الملقب بالناقص [٣] ، فأقر مروان بن محمد على أرمينية وأذربيجان، وأقر نصر بن سيار على خراسان. ثم لم يلبث يزيد بن الوليد حتى مات، وكان ملكه ستة أشهر ويومين، وتوفي بدمشق يوم
[١] انظر في مقتله ابن الأثير ٣/ ٤٠٤ الإمامة والسياسة ٢/ ١٥٣ (من تحقيقنا) . ولم يكن مقتله بسبب سلوكه الشخصي وانحرافه الديني وانغماسه باللهو والمجون، فحسب بل تعدى ذلك إلى اعتبار الحركة ضده أول حركة تمرد من خليفة أموي، قادته اليمانية، وهم الجناح الأساسي في النظام الأموي.
وتعود ظروف هذا التحرك إلى:
- انحراف الخلفاء الأمويين عن اليمانية منذ يزيد بن معاوية وتقريبهم القيسية.
- قتل الوليد لخالد بن عبد الله القسري، زعيمهم، والأكثر طاعة وولاء للأمويين، وفي قتله قال الوليد شعرا يحرض على اليمانية (وقيل لغيره) ومما قاله:
وطئنا الأشعريين بعز قيس ... فيا لك وطأة لن تستقالا
وهذا خالد فينا أسير ... ألا منعوه إن كانوا رجالا
عظيمهم وسيدهم قديما ... جعلنا المخزيات له ظلالا
فلو كانت قبائل ذات عز ... لما ذهبت صنائعه ضلالا
فبعد سماعهم ذلك عظم عليهم وازدادوا حنقا عليه.
[٢] في يوم قتله ومدة خلافته ومقدار عمره خلاف.
انظر ابن الأثير ٣/ ٤٠٤ الإمامة والسياسة ٢/ ١٥٥ الطبري ٩/ ٤٦ مروج الذهب ٣/ ٢٥٨ تاريخ اليعقوبي ٢/ ٣٣٤ مآثر الاناقة ١/ ١٥٧ العقد الفريد ٤/ ٤٥٢ المحبر ص ٣١ تاريخ خليفة ص ٣٦٣ التنبيه والأشراف ص ٣٣٤.
[٣] لم يكن يزيد بن الوليد ناقصا في جسمه ولا في عقله، وإنما نقص بعض الجند من أرزاقهم فقالوا:
يزيد الناقص.