الفتوح لابن اعثم - ابن أعثم - الصفحة ٢٧١
الكميت إلى مولى يقال له صاعد فقال: يا صاعد! الق له شيئا! فألقى إليه صاعد ذراعا من لحم فأكلها، ثم قال: صب له شولا من ماء! قال: فصب له صاعد بقية ماء كان في القربة، فشرب. فقال الكميت: أجرنا إن شاء الله تعالى! قال: ثم سار القوم فجعل الذئب يعوي عواء شديدا، قال بعضهم: ويله! فما له يعوي؟ أليس قد أكل وشرب؟ فقال الكميت: أظنه يخبرنا أنا على غير طريق وقد صدق فتيامنوا، فتيامن القوم فسكن عواؤه. قال: فلم يزل الذئب يتبع الكميت وأصحابه ويطعم ويسقى إلى أن نظر القوم إلى أقطار الشام فانصرف عنهم الذئب، فأنشأ الكميت يقول:
لقينا بها ذئبا ضريرا كأنه ... إلى كل من لاقى من الناس مذنب
مضيعا إذا أثرى كسوبا إذا عدا ... لساعته ما يستفيد ويكسب
تضوّر يشكو ما به من خصاصة ... وكان من الإفصاح بالشكو يعرب
فنشنا [١] له من ذي المزاود بضعة ... وللزاد آسار تلقى [٢] وتوهب
وقلنا له هذا لك اليوم عندنا ... ومن ذي الأداوي عندنا لك مشرب
فصب له شولا من الماء صاعد ... فسكّن عنه غلة تتلهب
قال: ثم دخل الكميت أرض الشام ليلا، وصار إلى مسلمة بن عبد الملك مستجيرا به من هشام بن عبد الملك، فوقف بين يديه وأنشأ يقول:
يا مسلم بن أبي الولي ... د لميت [٣] إن شئت ناشر
كم قال قائلكم لعا ... لك عند عثرته لعاثر [٤]
وغفرتم [٥] لذوي الذنو ... ب من الأصاغر والأكابر
فلقد نزلت إليكم ... غير المبجل للمعاذر
علقت حبالي من حبا ... لك ذمة الجار المجاور
ومحل بيتي من بيو ... تك غير منتقض الدوائر
فالآن صرت إلى أمي ... ة والأمور إلى المصاير
[١] من شعر الكميت وبالأصل «فلسنا» .
[٢] من شعر الكميت، وبالأصل «أوقات ستلقى» .
[٣] عن الأغاني ١٧/ ١٩ وبالأصل «كميت» .
[٤] عن الأغاني، وبالأصل: عنده عثرة عاثر.
[٥] عن الأغاني، وبالأصل «عقوبة» .