أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٨٢ - الأمر الثاني في ترتّب الثواب على الواجب الغيري وعدمه
وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» [١] ظاهر في هذا المعنى أيضاً فإنّ الأجر والفضل إذا اجتمعا افترقا.
هذا- ولكن الإنصاف أنّ الاستحقاق هنا ليس من قبيل استحقاق العامل الأجير لُاجرة عمله، فإنّ المكلّفين هم العبيد واللَّه تعالى هو المولى، ومن المعلوم أنّه يجب على العبيد اطاعة مواليهم لحقّ المولويّة والطاعة، فإنّ العبد بجميع شؤونه وأمواله ملك للمولى، فلا اختيار له في مقابله حتّى يطلب منه شيئاً بإزاء عمله بل أن الوجود كلّه هو من ساحته ويفاض على الموجودات آنفاً فآناً.
هذا- مضافاً إلى أنّ التكاليف الشرعيّة الصادرة من جانب المولى الحقيقي مشتملة على مصالح ترجع إلى العباد أنفسهم، فهي بحسب الحقيقة منّة من جانبه تعالى عليهم فكيف يستحقّون بإطاعاتهم وامتثالهم الأجر والاجرة؟ وكيف يستحقّ المريض أجراً من الطبيب بإزاء عمله بأوامر الطبيب؟ (ولعلّ هذا هو مراد المفيد رحمه الله وأمثاله حيث ذهبوا إلى أنّه من باب التفضّل لا الاستحقاق) بل الاستحقاق هنا بمعنى اللياقة لقبول التفضّل من جانب الباري تعالى، أي أنّ من كان مطيعاً كان إنساناً كاملًا، والإنسان الكامل يليق بإنعام اللَّه تعالى وتفضّله عليه بمقتضى حكمة الباري فإنّ التسوية بين المطيع والعاصي والمؤمن والفاسق مخالف للحكمة.
وبعبارة اخرى: الاستحقاق للُاجرة والاستعداد لها (بحيث يعدّ عدم اعطائها ظلماً) شيء، واللياقة للتفضّل شيء آخر، والاستحقاق في ما نحن فيه بالمعنى الثاني لا الأوّل، فلا يعدّ ترك الثواب حينئذٍ من مصاديق الظلم، نعم أنّه ينافي حكمه الباري الحكيم لأنّ لازمه التسوية بين المطيع والعاصي.
وبهذا يظهر أنّ الاستحقاق في المقام لا ينافي التفضّل بل أنّه بحسب الحقيقة من مصاديقه.
نعم، قد يجتمع مع تفضّل أكثر يعبّر عنه في لسان الآيات بالفضل كما يعبرّ عن الأوّل بالأجر، ويدلّ عليه قوله تعالى: «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» (وقد مرّ آنفاً) واختلاف التعبير ناظر إلى اختلاف مراتب الفضل فحسب، فالتعبير بالأجر مخصوص بمرتبة من التفضّل يعطى على أساس الكسب والعمل ولياقة اكتسبها العبد بالطاعة وترك المعصية،
[١] سورة فاطر: الآية ٣٠.