أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٥ - الوجه الرابع برهان الإرادة
وقد نقل عنه رحمه الله أنّه عدل عن هذه المقالة بعد ذلك.
وكيف كان، يرد عليه:
أوّلًا: أنّ كلامه هذا يوجب إراديّة الفعل في مقام التسمية فحسب لا الواقع، وهو لا يوافق مذهب الاختيار والأمر بين الأمرين حقيقة كما هو ظاهر.
ثانياً: إذا كانت الشقاوة ذاتيّة وتكون هي المنشأ الأصلي للعصيان فكيف يؤاخذ اللَّه العاصي بما هو ذاتي له؟ فهل هو إلّاظلم فاحش (تعالى اللَّه عنه علوّاً كبيراً)؟
وأمّا ما استشهد به من الرّوايتين فالحقّ أنّ الثاني منهما (وهو قوله صلى الله عليه و آله الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة) على خلاف مقصوده أدلّ، لأنّه يقول: أنّ جميع الناس معادن كمعادن الذهب والفضّة، فهم على تفاوتهم واختلاف درجاتهم (كتفاوت درجات معادن الذهب والفضّة) حسن السريرة بحسب ذواتهم وسعداء بحسب فطرتهم الأوّليّة فلا شقاوة ذاتيّة لهم.
الأوّل: منهما وهو قوله صلى الله عليه و آله: «السعيد سعيد في بطن امّه والشقي شقي في بطن امّه» فقد فسّر بتفسيرين:
أحدهما: أنّ اللَّه تبارك وتعالى يعلم أنّ المولود الفلاني يصير سعيداً أو شقيّاً. (كما في الخبر).
وثانيهما: حمله على المقتضيات الذاتيّة، فيكون المراد منه أنّ بعض الناس أقرب إلى السعادة بحسب اقتضائه الذاتي واستعداده الفطري، وبعض آخر أقرب إلى الشقاوة كذلك من دون أن يكون هذا القرب أو البعد علّة تامّة للطاعة أو العصيان، بل الجزء الأخير هو إرادة واختيار الإنسان نفسه.
إن قلت: هذا وإن كان يرفع الجبر ولكن أليس هو تبعيض قبيح عند العقل؟
قلنا: أنّه كذلك إذا كانت مجازاتهما بنسبة واحدة، مع أنّه ليس كذلك، لأنّ كلّ إنسان يجازى على عمله بملاحظة الشرائط والمساعدات الذاتيّة والعائلية والوراثيّة والاجتماعيّة، فيكون الميزان في الثواب والعقاب نسبة العمل مع مقدار الإمكانات والعلم والاستعداد، فمن كانت قدرته ومكنته أكثر، ينتظر منه سعي أكثر وعمل أوفر، ومن هذا الباب يقال حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، وقوله تعالى لنساء النبي صلى الله عليه و آله: «يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ