أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٦٣ - الرابع هل أنّ العلم من الشرائط العامّة للتكليف؟
وجوب تحصيله وعدمه، وأنّه هل يكون تحصيله غير واجب كسائر شرائط التكليف، أو له خصوصيّة من بينها فيجب تحصيله؟ وهكذا بالنسبة إلى العلم بالمكلّف به، فإذا علمنا بأصل وجوب الحجّ مثلًا وعلمنا أيضاً بحصول الاستطاعة في السنة اللّاحقة فهل يجب تحصيل العلم بمسائل الحجّ أو لا؟ المعروف والمشهور وجوب تحصيل العلم في القسم الأوّل، أي العلم بأصل التكليف، ويمكن أن يستدلّ له بوجوه:
الوجه الأوّل: أنّ تحصيل العلم واجب نفسي، فهو واجب مع قطع النظر عن كونه مقدّمة لواجب آخر، وتدلّ عليه آيات وروايات نظير ما ورد في بعض الأخبار من أنّه يسأل عن الإنسان يوم القيامة: هلّا عملت؟ يقول: ما علمت، فيقال له: هلّا تعلّمت؟ وما ورد عن الصادق عليه السلام: «ليت السيّاط على رؤوس أصحابي حتّى يتفقّهوا في الدين»، ونظير آية النفر التي تدلّ على وجوب تحصيل العلم ووجوب تعليمه معاً.
وفيه: أنّ العلم في أمثال المقام طريقي لا موضوي، ولذا لو أتى بالواقع من طريق الاحتياط أجزأه قطعاً ولا يؤاخذ على ترك تحصيل العلم مع أنّه لو كان واجباً نفسياً لم يجز العمل بالاحتياط في موارد الجهل بالحكم.
الوجه الثاني: العلم الإجمالي بوجود تكاليف في الشريعة حيث يقتضي تحصيل العلم التفصيلي بها للامتثال.
وهو جيّد في الجملة، ويمكن النقاش فيه بأنّ لازمه عدم وجوب الفحص وتحصيل العلم بالتكليف إذا علم بالمقدار المعلوم إجمالًا وانحلّ العلم الإجمالي بسبب ذلك، مع أنّ الفحص واجب مطلقاً حتّى مع الشكّ البدوي في وجوب تكليف.
الوجه الثالث: حكم العقل (أو بناء العقلاء) وهو العمدة، فإنّ العبد موظّف في مقابل مولاه وحقّ العبوديّة والطاعة أن يفحص عن تكاليف المولى في مظانّها، نعم، له العمل بالاحتياط وترك تحصيل هذا العلم، وأمّا الأخذ بالبراءة من دون فحص فهو أمر غير جائز كما يتّضح لك بالرجوع إلى أهل العرف في مناسبات الموالي مع عبيدهم.
نعم بعد الفحص بالمقدار المتعارف بين العقلاء يجوز التمسّك بالبراءة لعدم العلم بتحقّق التكليف مع أنّه لو كان من شرائط الوجود لكان الأصل فيه الاشتغال.
هذا كلّه في العلم بالتكليف.