أنوار الأصول - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٦ - (١) تاريخ علم الاصول وتطوّره في سطور
المدينة وافتِ الناس فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك». [١]
فمن المقطوع أنّهم منذ العصر الأوّل كانوا يفتون بمقتضى ظواهر النصوص فيستندون إلى حجّية الظواهر بعنوان أصل قطعي، ويعتمدون في الرّوايات على أقوال الثقات (حجّية قول الثقة) ويعالجون تعارض العامّ والخاصّ، والمطلق والمقيّد، من طريق التخصيص والتقييد، ويعملون بالمفاهيم كمفهوم الشرط والغاية، وحين وقوع التعارض بين الظاهر والأظهر يقدّمون الثاني على الأوّل، ويقدّمون الدليل القطعي على الظنّي و ... إلى غير ذلك من أشباهه.
هذا، ولكن كلّما اتّسع نطاق علم الفقه وظهرت فيه فروع مستحدثة اتّسع بموازاته نطاق علم الاصول إلى يومنا هذا، حتّى صار من أوسع العلوم وأعقدها، مملوّاً من دقائق عقليّة ونقليّة، وهكذا يتّسع يوماً بعد يوم.
ومن الطريف جدّاً أنّ علم اصول الفقه- كالفقه نفسه- عند أتباع أهل بيت عليهم السلام الوحي أكثر توسّعاً من اصول أهل السنّة إلى درجة كبيرة، ودليله واضح، حيث إنّ فقهاءهم قد سدّوا باب الاجتهاد على أنفسهم وعدّوا الفقهاء الأربعة (أئمّة المذاهب الأربعة) خاتمي المجتهدين والمستنبطين فمالت مسألة الاستنباط إلى الركود والجمود وتوقّف بالطبع قرين علم الفقه وشقيقه (علم الاصول) عن النموّ والحركة، ولكن أتباع أهل بيت العصمة- مضافاً إلى تأكيدهم على فتح باب الاجتهاد- أفتوا بإتّفاق الآراء بحرمة التقليد الابتدائي عن الميّت، ولأجل ذلك لا يزال وفي كلّ عصر طائفة من علمائهم يلزمون أنفسهم بعنوان الواجب الكفائي على استنباط الأحكام الفقهيّة من منابعها الإسلاميّة وأدلّتها المعتبرة، ويقدّمونها إلى المجتمع الاسلامي، ويضعونها في متناول أيدي المسلمين، وهذا الاعتقاد- مضافاً إلى جعله مصباح الفقه أكثر إضاءة وإشراقاً ممّا كان سابقاً- أوجب إزدهار علم الاصول ونموّه يوماً بعد يوم إلى حدّ تعدّ الكتب الاصوليّة المدوّنة في سائر الفِرق الإسلاميّة بالنسبة إلى ما دوّنه علماء الشيعة كتباً إعداديّة وبدائيّة جدّاً، بل لا يمكن الإحاطة بكنه الاصول لدى الشيعة إلّاعند فحول و خبراء من أساطين الفنّ طيلة سنين متمادية.
[١] مستدرك الوسائل: ج ١٧، ص ٣١٥.