نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين

نزهة أهل الحرمين في عمارة المشهدين - سيد حسن بن هادي صدر كاظميني - الصفحة ٥٠٠

ـ قال الحموي بعد ذلك : ـ قلتُ أنا : فالذي يقع لي ويغلبُ على ظنّي أنّ المنذر لمّا صنع الغريَّين ظاهر الكوفة سنَّ تلك السُّنَّة ، ولم يشرط قضاء الحوائج الثلاث الّتي كان يشترطها ملك مصر ، واللّه أعلم . وأنَّ الغريّين بظاهر الكوفة بناهما المنذر بن امرئ القيس بن ماء السماء ، وكان السبب في ذلك أنّه كان له نديمان من بني أسد ؛ يُقال لأحدهما خالد بن نضلة ، والآخر عمرو بن مسعود ، فثَمِلا فراجعها الملك [ليلةً] في بعض كلامه ، فأمر ـ وهو سكران ـ فحُفر لهما حفيرتان في ظهر الكوفة ، ودفنهما حيَّين ، فلمّا أصبح استدعاهما فاُخبِرَ بالذي أمضاه فيهما ، فغمَّه ذلك ، وقصد حفرتهما ، وأمر ببناء طربالين عليهما ، وهما صَوْمعتان . فقال المنذر : ما أنا بملكٍ إنْ خالف الناس أمري ؛ لا يمرُّ أحدٌ من وفود العرب إلّا بينهما ، وجعل لهما في كلّ سنة يوم بؤس ويوم نعيمٍ ؛ يَذبح في يوم بؤسه كلَّ مَن يلقاه ، ويَغري بدمه الطربالين ، فإن رُفعت له الوحش طلبتها الخيل ، و إن رُفع طائر أرسل عليه الجوارح حتّى يذبح ما يَعنّ ويُطلبان بدمه . ولبثَ [بذلك] بُرهةً من دهره ، وسمّى أحد اليومين يوم البؤس وهو الذي يقتل فيه ما ظهر له من إنسانٍ وغيره ، وسمَّى الآخر يوم النّعيم يُحسن فيه إلى كلّ من يلقاه من الناس ، ويحملهم ويخلع عليهم . فخرج يوماً من أيّام بؤسه ؛ إذ طلع عليه عبيد بن الأبرص الأسدي الشاعر ، وقد جاء ممتدحاً ؛ فلمّا نظر إليه قال : هلّا كان الذبح لغيرك يا عبيد! فقال عبيد : «أتتك بحائنٍ رجلاه» فأرسلها مثلاً . فقال له المنذر : أو أجَلٌ قد بلغ أناه . فقال رجل ممّن كان معه : أبيت اللّعن! اتركه ؛ فإنّي أظنّ أنَّ عنده من حسن القريض أفضل ما تريد من قتله ، فاسمع ؛ فإن سمعتَ حَسناً فاستزده ، و إن كان غيره قتلته ، وأنت قادرٌ عليه . فاُنزِلَ فطعم وشرب ، ثمّ دعا به المنذر ، فقال : زدنيه ما ترى . قال : أرى المنايا بأعلى الحوايا .