تأريخ القرآن - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ٢١ - الفصل الأول وحي القرآن
ما كان يبدو عل محمد في ساعات الوحي على هذا النحو الخاطئ من الناحية العلمية أفحش الخطأ. فنوبة الصرع لا تذر عند من تصيبه أي ذكر لما مر به أثناءها ، بل هو ينسى هذه الفترة من حياته بعد إفاقته من نوبته نسيانا تاما ، ولا يذكر شيئاً مما صنع أو حل به خلالها ، لأن حركة الشعور والتفكير تتعطل فيه تمام العطل. هذه أعراض الصرع كما يثبتها العلم ، ولم يكن ذلك ما يصيب النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم العربي أثناء الوحي ، بل كانت تتنبه حواسه المدركة في تلك الأثناء تنبها لا عهد للناس به ، يذكر بدقة ـ غاية الدقة ـ ما يتلقاه ، وما يتلوه بعد ذلك على أصحابه ، ثم نزول الوحي لم يكن يقترن حتماً بالغيبوبة الحسية مع تنبه الإدراك الروحي غاية التنبه ، بل كثيراً ما يحدث والنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في تمام يقظته العادية » [١].
وفي ضوء ما تقدم يمكن أن نرصد في ظاهرة الوحي عملية إرسال واستقبال بوقت واحد ، إرسال بوساطة الملك المؤتمن ، واستقبال من قبل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم المصطفى صلىاللهعليهوآلهوسلم ، يتم ذلك في حالة إدراك متماسكة ، يسيطر فيها الوعي والشعور والإحساس ، كما لو كان أمراً عادياً في يقظة حقيقية ، قبل الوحي ، وأثناء الوحي ، وبعد الوحي ، مهما صاحب عملية الوحي من شدة ووطأة ومفاجئة. فالوحي حقيقة خارجية مستقلة عن كيان النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم النفسي ، ولكنها لا تغير ذلك الواقع النفسي ، بل تزيده جلاء وفطنة وذاكرة ، ويمثل فيها النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم دور المتلقي الواعي من جهة ، ودور المبلغ الأمين من جهة أخرى ، لا يقدم ولا يؤخر ، ولا يغير ولا يقترح ، ولا يفتر ولا يتكاسل.
ولقد كان ذلك بحق :
« استقبالاً من النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم لحقيقة ذاتية مستقلة ، خارجة عن كيانه وشعوره الداخلي ، وبعيدة عن كسبه أو سلوكه الفكري أو العملي » [٢].
وليس من الضروري أن تتوافق هذه الظاهرة مع رغبات النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم الآنية ، أو تطلعاته النفسية الملحة ، فقد ينقطع عنه الوحي ، وقد يتقاطر
[١] ظ : بكري أمين ، التعبير الفني في القرآن : ١٩.
[٢] المصدر السابق ، نفس الصفحة.