تأريخ القرآن - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ١٦ - الفصل الأول وحي القرآن
والمكاشفة لا تنتج عند صاحبها يقينا كاملاً ، ويقين النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم بالوحي قد كان كاملاً ، مع وثوقه بأن المعرفة الموحى بها غير شخصية ، وطارئة ، وخارجة عن ذاته [١].
والوحي الإلهي هو الفصل الذي يكشف به الله للإنسان عن الحقائق التي تجاوز نطاق عقله [٢].
وإذا كان الوحي فعلا متميزاً ، فهو صادر عن فاعل مريد ، وهذا الفاعل المريد هو الله تعالى ، وليس الإلهام والكشف كذلك ، وهذا ما يميز الوحي عن المكاشفة ، والوحي النفسي ، والإلهام ، إذ أن مردّ الإلهام يعود عادة إلى الميدان التجريبي لعلم النفس ، ونزعة الوحي النفسي في انقداحها تعتمد على التفكر في الاستنباط ، والمكاشفة تتأرجح بين الشك واليقين.
أما الوحي فحالة فريدة مخالفة لا تخضع إلى التجربة أو التفكير ، ومتيقنة لا مجال معها للشك. مضافاً إلى أن حالات الكشف والإلهام والإيحاء النفسي حالات لا شعورية ولا إرادية ، والوحي ظاهرة شعورية تتسم بالوعي والإدراك التأمين.
والوحي بالمعنى المشار إليه يختص بالأنبياء ، وليس الإلهام أو الكشف كذلك ، فهما عامان وشائعان بين الناس.
ولقد فرّق المستشرق الألماني الدكتور تيودور نولدكه ( ١٨٣٦ ـ ١٩٣٠ م ) بين الوحي والإلهام تفريقا فيه مزيج بين الواقع والصوفية ، فاعتبر الوحي خاصاً بالأنبياء ، والإلهام خاصاً بالأولياء إذ لا يوحى إليهم [٣].
ويتجلى الفرق بين الإلهام والوحي بتعبير آخر ، وبتصور متغاير ، أن مصدر الإلهام باطني ، وأن مصدر الوحي خارجي بل الإلهام من الكشف المعنوي ، والوحي من الواقع الشهودي ، لأن الوحي إنما يتحصل بشهود الملك وسماع كلامه ، أما الإلهام فيشرق على الإنسان من غير واسطة
[١] ظ : مالك بن نبي ، الظاهرة القرآنية : ١٦٧ وما بعدها.
[٢] ظ : د. جميل صليبا ، المعجم الفلسفي : ٢ / ٥٧٠.
[٣] ظ : نولدكه ، دائرة المعارف الإسلامية : مجلد ٩ مادة : الدين.