تأريخ القرآن - الصّغير، محمد حسين علي - الصفحة ٤١ - الفصل الثاني نزول القرآن
٥ ـ وهناك ملحظ جدير بالأهمية في هذا النزول التدريجي ، هو إحكام الأمر ، وإبرام العقد ، وهذا الإحكام وذلك الإبرام يتمثل بعملية صياغة النفوس في إطار جديد ، فهي على قرب عهد من الجاهلية بأعرافها ومفاهيمها وأخطائها ، والنقلة الفورية ليست خطوة عملية في التغيير الاجتماعي الذي أرادته رسالة القرآن ، فمن عزم الأمور ـ إذن ـ أن تستجيب النفوس لهذا التغيير الجذري ، ولكن لا على أساس المفاجأة الخطرة ، التي قد تولد ردة فعل مضادة ، تطوح بكل شيء ، بل تقليص القيم القديمة شيئاً فشيئاً ، وتضييعها جزءاً فجزءاً ، لتتلاشى في نهاية المطاف ، وتختفي عن صرح الاجتماع. وخير دليل على ذلك مسألة تحريم الخمرة ، إذ ارتبطت بالعرب أدبياً واجتماعياً ونفسياً واقتصاديا ، وهي جوانب متعددة ، أباحت هذا الإدمان المستحكم عند العرب ، فلو حرمت دفعة واحدة ، لكفر بهذا التحريم ، ولضاعت فرصة التغيير الاجتماعي ، ولكن الوحي تلبث وترصد وتأنى ، فجاء بالأمر في خطوات متعاقبة شملت بيان المنافع والمضار والمآثم ، وتدرجت إلى النهي عن اقتراب الصلاة وأنتم سكارى ، وانتهت إلى التحريم : ( إنما الخمرُ والميسِرُ والأنصابُ والأزلامُ رجسٌ من عملِ الشَّيطانِ فاجتنبوهُ ... ) [١].
٦ ـ ولنقف بهذا الجانب الحساس والمؤثر على صلب الموضوع من بدايته ، قبل النظر في التطبيق.
كانت الجزيرة العربية بعامة ، ومكة المكرمة بخاصة ، تتجاذبهما عقائد شتى ، فالصابئة لها طقوسها المختلطة من ابتداعات وشعائر ترتبط بالكواكب وتأثيرها على الأحداث الأرضية [٢]. وما امتزج عن عاداتهم في مذاهب قريش في الوثنية وعبادة الملائكة ، ومراسم الحج.
والمسيحية ، وما صاحب مبادئها من تحريف مزدوج ، وتغيير مفاجئ ، فبدل التسامح الديني الذي اشتهرت به تعاليم السيد المسيح ،
[١] المائدة : ٩٠.
[٢] ظ : جزءاً من عقائد الصابئة ، محمد عبدالله دراز ، مدخل إلى القرآن الكريم : ١٣٢ وما بعدها.